الخميس، 19 أبريل 2012

ثورة الحسين (ع) ثورة الادراك - الشهيد مرتضى مطهري


نهضة الحسين عليه السلام فهل هي وليدة الانفجار النفسي؟ كماء يغلي في قدر مقفل إذا لم يلق البخار المتصاعد منه منفذاً للخروج يؤدي إلى انفجار القدر بتأثير ازدياد درجة الحرارة؟

     إن الإسلام اختلف عن بعض النهضات التي جاء نتيجة انفجارات خاصة، فالفكر الدياليكتيكي يوصي بتصعيد التناقضات وإثارة الاستياء وتعميق الخلافات أكثر فأكثر وإبداء المعارضة للإصلاحات الواقعية لدفع المجتمع إلى الثورة بمعناها الانفجاري لا الثورة الواعية.

     إن الإسلام لا يؤمن مطلقاً بمثل هذه الثورة، وقد كانت الثورات أو النهضات الإسلامية كلها وليدة وعي وإدراك كاملين للواقع الذي جاءت لتغييره، وإن ثورة الحسين عليه السلام لم تكن وليدة الانفجار ولم تكن عملاً بعيداً عن الوعي ولم تنشأ نتيجة نفاذ صبر الحسين علية السلام بسبب الضغوط الكثيرة التي كانت تمارس من قبل الأمويين وعمالهم أيام معاوية وابنه يزيد بحيث تؤدي به إلى أن يثور ويقول: فليكن ما يكن ! كلا لم تكن نهضة الحسين عليه السلام بمثل ذلك، ويدل على هذا الرسائل المتبادلة بينه وبين معاوية وابنه يزيد من بعده. بالإضافة إلى الخطب التي أوردها في مجالات مختلفة خاصة تلك التي خاطب بها صحابة الرسول (ص) وهم مجتمعون في منى. وقد نقل حديث هذه الخطبة بصورة مفصلة في كتاب تحف العقول، إن الأدلة المشار إليها كلها تبين أن الإمام الحسين عليه السلام ثار وهو مدرك كاملاً سبب قيامه ولم تتدخل في نهضته عوامل الانفجار النفسي مطلقاً، بل كانت ثورة إسلامية محضة.

     والحسين عليه السلام إذا نظرنا إلى كيفية تعامله مع أصحابه أثناء عزمه على القيام نرى أنه يتحاشى الاستفادة من أي عامل من العوامل التي تؤدي إلى حدوث الانفجار النفسي والعاطفي ولا يسمح بأن تنطبع نهضته بالطابع الانفجاري من ذلك محاولاته العديدة في مناسبات مختلفة لصرف أصحابه عن الاشتراك معه في نهضته التي كان على علم مسبق بنتيجتها، فكان يكرر عليهم قوله أن لا منافع مادية أمامهم في مسيرتهم تلك وأنه لا ينتظرهم غير الموت المحتم، وفي ليلة العاشر من محرم نراه عليه السلام يمتدح أصحابه فيقول بأنهم خير الأصحاب، ويكرر عليهم بأنه هو المطلوب من الحكم الأموي وليس غيره، ويؤكد لهم بأنهم لو تركوه لوحده فلن ينالهم سوء من الأمويين ويخيرهم بين البقاء والذهاب وأخذ أهله لإبعادهم عن الصحراء التي هو فيها.

     لا نجد زعيماً يريد استثمار استياء وتذمر قومه لدفعهم إلى النهوض والثورة يتكلم بما قاله الحسين عليه السلام لأصحابه، صحيح أن مسئوليته هي إشعار قومه بأنهم مكلفون شرعاً بالنهوض بوجه الحكم الجائر، وبالتأكيد أن مكافحة الظلم والجور من واجب الناس، إلا أنه عليه السلام كان يهدف أن يقوم أصحابه مخيرين بأداء ذلك التكليف عن طوع إرادتهم غير مرغمين عليه، لذلك نراه يؤكد عليهم باستغلال سواد الليل وترك ساحة المعركة والابتعاد عن العدو الذي لا يرغمهم على القتال إن هم فعلوا ذلك أنه هو عليه السلام لا يريد إجبارهم على البقاء معه، وأكد الحسين عليه السلام على أصحابه أيضاً بأنهم في حل من بيعته إن هم أرادوا تركه ووضعهم أمام ضمائرهم، فإن هم شعروا بأنهم على حق فعليهم اختيار الحق دون إكراه من جانبه عليه السلام أو من جانب العدو، إن اختيار شهداء كربلاء الأوائل البقاء مع الحسين عليه السلام بالرغم من تكرار الإمام عليهم لعدة مرات مسألة الذهاب، هو الذي منح هؤلاء الشهداء المنزلة الرفيعة التي هم عليها الآن، أما في الحرب التي شنها طارق بن زياد ضد الأسبان نراه يبادر فور عبوره بأسطوله المضيق، المسمى الآن باسمه، بإعطاء الأوامر لجنده بإبقاء ما يكفيهم من الزاد لأربع وعشرين ساعة فقط وإحراق الباقي وإحراق سفن اسطوله معها ثم يجمع الجند والقادة فيقول لهم بأن العدو من أمامهم والبحر من ورائهم والفرار يجعل مصيرهم الغرق وهم لا يملكون الطعام إلا لسويعات فلا نجاة لهم إلا في قتال العدو والفوز عليه وإبادته، إن الذي فعله طارق بن زياد هو عمل قائد سياسي، بينما الإمام الحسين عليه السلام لم يخوف أصحابه بالبحر والعدو ولم يرغمهم على دخول الحرب بجانبه كما أن العدو نفسه لم يكن ليجبرهم على القتال لو أرادوا تركوا المعركة، لقد خير الحسين عليه السلام أصحابه بالبقاء أو الذهاب دون أي إكراه.
  
 حقاً لقد كانت ثورة الحسين عليه السلام قائمة على الوعي والإدراك الكاملين بضرورتها سواء عنده هو أو عند أهل بيته أو لدى أصحابه، ولا يمكن لمثل هذه الثورة أن يقال عنها بأنها وليدة الانفجار النفسي أو العاطفي مطلقاً، ولمثل هذه الثورة الواعية حقائق وماهيات متعددة ومختلفة وهي ليست أحادية الكنه والحقيقة.
     ومن الفوارق الموجودة بين الظواهر الطبيعية والاجتماعية أن الطبيعية منها تكون أحادية الحقيقة فالمعدن الواحد، والذي هو من الظواهر الطبيعية لا يمكن أن يكون ذهباً أو نحاساً في آن واحد، ولكن في الظواهر الاجتماعية يوجد احتمال استيعاب الظاهرة الواحدة لعدة حقائق أو ماهيات،  و الإنسان بذاته هو إحدى العجائب التي يمكن أن تجتمع فيه حقائق متعددة.


الاثنين، 16 أبريل 2012

تفسير سورة الزلزلة - الشهيد مرتضى مطهري



بسم الله الرحمن الرحيم

{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا*وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا*وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا*يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا*يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ*فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}(الزلزلة/8:1).

سورة الزلزال من السور المكية القصيرة التي تتناول يوم القيامة، وهي من السور المثيرة والمؤثرة، وتعد من مجالات بروز إعجاز القرآن، لما فيها من روعة اللحن، والجمال، وقوة النفوذ إلى النفوس.
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا}
أي ذلك الزلزال الذي ليس له شبه بأي من الزلازل التي  يعرفها الناس في العالم. وذلك لوجود اختلافين بينهما:
الأول: هو أن الزلازل التي تحدث في عالم الإنسان زلازل جزئية ومحدودة، أي إن قطرها قصير، قد يكون 25كم في 25كم، أو أكثر 100كم، أو حتى إذا فرضنا أكثر من ذلك 500كم في 500كم، وهذا ما لم يحدث حتى الآن. ولكنه يرتبط بأنواع من التحولات والتغيرات في باطن الأرض، سواء  أكانت هذه تخلخلاً، أو ضغطاً للغازات الموجودة في مكان معين، أو غير ذلك. ثم تخرج هذه الحمم من باطن الأرض. أو الانهيارات التي تسبب تزلزل الأرض في قسم منها. إلا أن هذه، على كل حال، تهم أناس تلك المنطقة الذين يتعرضون لها. أما البعيدون فلا يحسون بها بالمرة.
وهناك زلزلة تقلب المنطقة رأسا على عقب، فتطمر مدينة في باطن الأرض، ولكنك إذا ابتعدت بضع عشرات من الكيلومترات، تجد الناس لا يعلمون بما حدث.
أما الزلزلة التي يشير إليها القرآن فلا ترتبط بنقطة معينة من الأرض، إنها تشمل الأرض كلها بل لا تشمل الأرض وحدها، وإنما تشمل كل الكون، وكل الشموس، وكل الكائنات. فانظر كيف هذا؟
والاختلاف الثاني هو إن الزلازل المألوفة تحدث بسبب تأثير عامل في آخر، أو قوة تؤثر في قوى أخرى أو في شيء آخر.
لنفرض إننا جالسون هنا، فتمر بهذا البناء شاحنة ضخمة، فإنها سوف تجعل البناء يهتز قليلا. فهذه البناية لم تهتز بذاتها، بل بقوة عامل خارجي أثر فيها وأدى إلى اهتزازها، أو كأن يكون امرؤ واقفا فيصدمه شخص آخر. أما الزلزلة العامة التي يشير إليها القرآن فناشئة من الداخل، من باطن الكون فمن باب المثال، نقول إن الجنين في رحم أمه لا تصدر منه حركة في أشهره الأولى، ولكنه عندما يبلغ الشهر الرابع، مثلا يقال إنه تصدر منه أول حركة. فهل حركة الطفل حصلت بفعل عامل خارجي، أم أنه قد تحرك بذاته وبفعل قوة باطنية؟
إن قضية الزلزلة هذه تتعلق في الواقع بقضية أخرى، وهي إن هذه الموجودات التي نطلق عليها اسم الجمادات التي لا تحس ولا تشعر، هل هي حقا فاقدة للشعور بكل معنى الكلمة؟ أم أنها، بحد ذاتها، وليس بحد ذات الإنسان، تملك نوعا من الشعور والإدراك؟ هذا موضوع يتكرر وروده في القرآن. فمرة يقول  ما من كائن إلا ويسبّح بحمده ولكنكم لا تفهمون ذلك(1- {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}(الإسراء/44).-المترجم ). هنالك أيضا نقطة أخرى يذكرها القرآن، وهي: متى تتبدل الدنيا إلى الآخرة؟ عندما تظهر من جميع الموجودات وجوهها الأخر {..وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(العنكبوت/64).حينذاك تنكشف الوجوه الأخر للأشياء.

تلك هي الزلزلة التي ستحدث في الكون، كالجنين الذي يصل إلى مرحلة الحركة. عندئذ يحس الإنسان أن لكل ذرة من ذرات العالم حياة وشعوراً.
{وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} أي عندما يخرج من باطن الأرض ما هو مدفون فيها، كل الناس الذين دفنوا في الأرض وهم دفائن الأرض الثمينة، لا الذهب ولا المعادن، ولا النفط، ولا ما هو مرتبط بهذه الدنيا.
{وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا }(الزلزلة/3). ولكن الإنسان الذي سبق أن عرف الزلازل، يقول، وهو جاهل بما يجري، ما الذي يحدث للأرض؟
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}
أي إن الأرض يومئذ تسرد سيرتها، سيرتها الطويلة الممتدة امتداد ملايين السنين.
{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}
أي إن الله هو الذي أمرها. هنالك أبيات من شعر مولوي الذي كان متعمقاً إلى حد يقل نظيره، تخص هذا الموضوع. يقول:
عالَم أفْسُرْده ست نام او جَماد
جماد أفسرده بـود أي أوسْتاد
باش تاكر كَسي بِحَشْر آيد عيـان
تـا بِبِيْني جُنْبِشِ جسم جَهانْ
"العلم جامـد اسمه الجمـاد
والجماد كان جامدا أيها الأستاذ
إبق حتى نجتمع في الحشر عيـانا
لترى حركـة جسـم العـالم"
إنه يشير إلى هذه الزلزلة، ويقول لا تظنن الميت ميتاً، إنما أنت لا تفهم، لا تدرك ذلك، إنك لا ترى الآن إلاّ جانبه الميت، ثم يقول:
جُون عَصاي موسى إيْنجـامـارشد
عقل را زا ساكنان إخْبار شد
"عندما انقلبت عصا موسى حيـة
أدرك العقل أخبار الساكنات"
ففي اليوم الذي انقلبت فيه عصا جامدة إلى حية، تبين للعقل أن الموضوع شيء آخر، وأننا ينبغي ألا نحسب الجمادات جامدة تماما.
الموضوع شيء آخر، وأننا ينبغي ألا نحسب الجمادات جامدة تماما.

بـارئي خـاك تُراجون زِندة ساخت
خاك هارا جُمْلِكي بايد شِناخْتْ

"إنه إذا أحيـاك من بعض تـراب
فلا بد من معرفة التـراب بجملته"

إن جسمك كان تراباً ميتاً، ولكنه الآن حي. إذن يتضح أن المسافة بين الميت والحي ليست بعيدة جداً، فالميت قد يحيا سريعاً، ولذلك علينا أن  نتعرف على كل الأتربة، إذ فيها تكمن القابلية على الحياة.
إن وجوهها التي تواجهنا ميتة، ولكن وجوهها التي تتجه نحو البارئ سبحانه وتعالى حية. إنها من حيث الطبيعة الربانية حية، ومن حيث الطبيعة الخلقية ميتة.
مُرده زيْنْسويَند وزان سُـورِنْده اند
خاموشى إِينجا وآنجا كوينده اند
جونكه آنها رافر سْتَدْ سُوى ما
آن عَصا كردد سُوى ما إِزْدها
"ميـتة من هذا الجانب وحيـة من ذاك
صامتـة هنـا وناطقة هنـاك
و هو إذ يرسـلها إلينـا
تتحول تلك العصا حية عندنا"
فهو إذ يرسلها إلينا يراها حية لا ميتة، فإذا أمرها حولت جانبها الحي إلينا. ثم تجري ا لقصيدة تشير إلى جمادات أحياها، كالريح التي سخرها لسليمان، والبحر الذي ائتمر بأمر موسى، والجبال لداوود،  وانشقاق القمر لمحمد، وتحول النار بردا على إبراهيم ...
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}

نذكر ما مر بها بحسب ما أوحى لها الله. وقد جاء كذلك في القرآن المجيد، في سورة يس:
{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يس/65).
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}
أي يوم يصدر(1- إن الفعل (يصدر) في العربية معنى خاصاً، لم أجد في الفارسية كلمة تقوم مقامه. فمثلاً يقولون في الفارسية إن هذه الهوية "صادرة" من طهران، ويستعملون الكلمة العربية. أو يقولون إن فلانا "أصدر" الأوامر الفلانية. ويستعملون الكلمة العربية. أو العربية أيضاً. فإذا شئنا أن نرفع هذه الكلمة ترى ماذا يمكن أن نضع في مكانها لنحصل على المعنى نفسه؟ ولما كانت كلمة "الصدور" تختلف عن "الخروج" في المعنى، فلا يمكننا استعمالها بمكانها، فإذاً نحن بدلا من أن نقول إن الهوية "صادرة" من طهران، قلنا أنها "خارجة" من طهران، يكون المعنى مغايراً لما نريد. في الأيام التي كانت فيها اللاّعربية على أشدها، وضعوا "مرسلة أو مرسل" الفارسية بمكان "صادرة أو صادر" فمثلاً قولهم: الهوية مرسلة من طهران، لا معنى له، لأن وضع مرسلة بمكان صادرة لا معنى له، لأن "مرسلة" ليست ترجمة لكلمة "صادرة" والتجار أيضا عندما يرسلون بضاعة من مكان إلى مكان يستعملون كلمة"إرسال" أما إذا عطشت الحيوانات فوردت الماء وارتوت، يوصف حالها عندئذ بالصدور، أي إنها صدرت عن الماء. ولكن تطور هذا المعنى فيما بعد، حيث يقول القرآن: إن الناس في ذلك اليوم يصدرون من الأرض كالأمر الذي يصدر من صاحب أمر، او كالهوية التي تصدر من مكان ما. هنا الناس هم  الذين يصدرون.) الناس جماعات متفرقة. لماذا؟ إنه تعبير عجيب أيضا.
{لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} أي إن الناس يذهبون ليستعرضوا أعمالهم وأعمال الناس في هذه الدنيا طيلة حياتهم، صغيرها وكبيرها، حيث يتجسد العمل نفسه ويحضر. فكيف تكون حال الإنسان وهو يدخل معرض الأعمال؟ إنه لا يرى سوى السواد والظلام وأشياء على هيئة نيران وحيات وعقارب. وعلى عكسه الذي يؤخذ إلى معرض ثواب الأعمال، حيث إن أكثر ما يرى هو الأعمال الحسنة الجميلة، بحيث قيل إنه لو كان الموت ممكنا يوم القيامة، لمات أهل السعادة فرحا، وأهل الشقاء كمداً. أي لو أن تلك السعادة التي توهب للإنسان في الأخرى وهبت للإنسان في دار الدنيا، لتحجر فوراً. ولو نزل ذاك الشقاء على أحد في الدنيا، لتوقف قلبه حالا ومات.
{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}

ثم يشرح القرآن معنى {ليروا أعمالهم} بقوله:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}
والذرة هي أصغر وحدة قياسية في العربية. أي بمقدار الذرة التي ليس أصغر منها جسم. من المعروف عندنا عندما نقول (ذرة نقصد أصغر معيار نعرفه مما لا يمكن أن نراه بالعين المجردة. وهي الذرات التي لا نراها إذا كنا في الشمس، ولا نراها إذا كنا في الظل، ولكننا نراها إذا كنا في الظل ومر منه عمود من نور، كأن تدخل أشعة الشمس من إحدى النوافذ، عندئذ يرى الإنسان وسط ذلك العمود من النور دقائق صغيرة تتحرك. فهذه هي الذرات بالعربية، أي أصغر شيء يظهر للعيان من الجسم. ومصطلح الذرة هذا يستعمله العلماء والفلاسفة في قضايا الجسم ومم يتكون. فكان عدد منهم يرى (وهي النظرية التي تأيدت فيما بعد) إن كل جسم يتألف من أجسام صغيرة جداً. وهذه الأجسام الصغيرة جداً أطلقوا عليها إسم الذرات، ذرات صغار صلبة كانوا يعتقدون أنها غير قابلة للإنشطار، وهذه أيضا هي الذرة في العلوم الحديثة.
على كل حال، يقول القرآن إن من عمل مقدار ذرة من الشر فإنه سوف يرى جزاءه.
والآن لاحظوا اللحن في السورة، مع ملاحظة المعنى:
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا*وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا*وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا*يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا*يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ*فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}(الزلزلة/8:1).


السبت، 18 فبراير 2012

تفسير سورة القدر - الشهيد مرتضى مطهري




بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ*تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ*سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }(القدر/5:1).

يدور حديثي حول سورة القدر

 القضاء والقدر ضربان: ضرب قابل للتبديل، وضرب غير قابل للتبديل. ففي أدعية شهر رمضان نقرأ طالبين من الله أن يقدر لنا قدراً من الضرب الذي لا يتغير ولا يتبدل. من هذا يتضح أن هناك قدرين: -القدر الذي يمكن تبديله ، -القدر الذي لا يمكن تبديله.
والدعاء من أرفع مطاليب البشر، إذ أن الإنسان يريد بالدعاء أن يغير المقدرات، أي إنه يريد أن تؤثر الأرض في السماء، والطبيعة في ما وراء الطبيعة. نحن لا نعلم أي المقدرات يمكن تغييرها، وأي المقدرات لا يمكن تغييرها، ولكننا ندعو دعاءنا حتى نغير القدر الذي يمكن تغييره، فإذا لم يكن من النوع الذي يمكن تغييره، نكون على كل حال، قد دعونا، والدعاء عبادة، وللدعاء أثران: أ-الدعاء بحد ذاته تقرب الإنسان من الله. ب-إذا لم يتحقق الدعاء فعلا، فإنه مستجاب، لأن أصل الدعاء يعطي أثره، أما تحقق المطلوب أو عدم تحققه فأمر آخر.
 إنها سورة من تلك السور ذوات النغمات الخاصة، وفيها موضوع مثير للتساؤل.

فلنتدبر الآن في هذه الآيات، وفي آيات أخرى، لنرى ما يستفاد من هذه السورة الصغيرة. ونبدأ بشرح بعض الألفاظ.
يتضح من آية {وما أدراك ما ليلة القدر} أن هذه الليلة عظيمة الشأن من عند الله، وأن البشر لا يقدر على أدراك أهميتها، فهي ليلة جليلة وعظيمة، حتى أنها {خير من ألف شهر} حيث الملائكة والروح تنزل فيها بأمر من ربها، {سلام هي حتى مطلع الفجر}.
النقطة الأولى هي أن القرآن قد نزل في ليلة القدر، غير أن هذه السورة لا تعين أية ليلة هي ليلة القدر هذه، إلا هناك آية أخرى في سورة البقرة تقول:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ..}(البقرة/185).
فهو يصف شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. إذن، ليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان، بدلالة الآية الأولى من سورة القدر، وهذه الآية من سورة البقرة.

هنالك آية أخرى من سورة الدخان، فيها توضيح آخر لليلة التي نزل فيها القرآن. وتلك الآية هي:
{حم*وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}(الدخان/4:1).
أي إن ليلة نزول القرآن ليلة مباركة، وإننا نحذر وننذر بالخطر، وهي ليلة تحدث فيها أمور.
وعليه فإن الليلة التي نزل فيها القرآن، بحسب آية سورة البقرة، هي من ليالي شهر رمضان، وبحسب هذه الآية، هي ليلة مباركة تجري فيها أمور، أي إنها ليلة التقدير، ليلة توضع فيها سلسلة من التقديرات. وبأخذ آية {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} بهذا الخصوص، يتضح أن الليلة من ليالي الله التي تجري فيها أمور.
ثمة نقاط لا بد من البحث فيها:
1-يتبادر إلى الذهن هنا سؤال. فإذا كان نزول القرآن في ليلة القدر، وليلة القدر من ليالي شهر رمضان، أفلا يعني هذا إن النبي قد بعث في ليلة القدر؟ فلماذا نحتفل بالمبعث في اليوم السابع والعشرين من رجب، مع أن القرآن يصرح بنزوله في رمضان؟

هنا لابد من أن نشير إلى موضوع، وإن لم يكن جوابا على هذا السؤال، إلا أننا لابد أن نشير إليه، وهو إن للقرآن نزولين: النزول الإجمالي، والنزول التدريجي، أو التفصيلي. فالنزول الإجمالي هو النزول غير الزماني، والنزول التدريجي هو النزول التفصيلي الزماني.
وكلمة "نزول" بحسب اللغة العربية، ترد في موضعين اثنين: الأول من باب إفعال (إنزال) {إنا أنزلناه}، والآخر من باب تفعيل (تنزيل)(1-كما في الآية{تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(السجدة/2).-المترجم). علماء اللغة العربية يقولون إن هناك فرقاً بين هاتين الصيغتين من حيث المعنى. فأنزلناه ترد حيث يقصد النزول الكلي دفعة واحدة، وتنزيل ترد حيث يكون التنزيل تدريجياً فالقرآن، إذن، إنزال وتنزيل.

ففي هذه الآيات{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} و{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} و{حم*وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} يأتي الفعل من إفعال، وهي كلها تشير إلى نزول إجمالي دفعة واحدة، غير مشروط بزمان، نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قبل تنزيله عليه بهيئة روح، لا بهيئة آيات وكلمات وألفاظ وسور. وبعد أن استقرت تلك الروح في الرسول الكريم، وهي روح القرآن، نزل القرآن مرة أخرى بهيئة ألفاظ وكلمات وسور هذه المرة.

إن لدينا بهذا الشأن روايات كثيرة، فقد ورد عن الأئمة الأطهار مرارا أن القرآن قد نزل على الرسول الكريم بهيئتين: بهيئة إجمالية واسعة ودفعة واحدة، وبهيئة تفصيلية تدريجية زمانية. فذلك النزول الإجمالي الذي نزل على الرسول دفعة واحدة، هو النزول الذي حدث في شهر رمضان. في ذلك الوقت لم يكن الرسول قد بعث بعد. بعثة الرسول تبدأ منذ أن نزل جبرئيل يحمل إلى الرسول القرآن والروح والحقيقة، في صورة ألفاظ وكلمات. ذلك هو زمان بعثة الرسول. وهو ما حصل في شهر رجب، ودام 23 سنة.
هنالك لفظتان لكتاب الله: القرآن والفرقان، كما جاء في سورة الفرقان:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا }(الفرقان/1). الفرقان من مادة"فرق" أي الفصل والتفريق. والمقصود هو أننا أنزلنا القرآن مفرقا، مجزأ، لكي تقرأه على الناس تدريجيا.

يرى بعضهم أن لفظة "قرآن" تطلق على كتاب الله مجموعا، وتطلق عليه لفظة "فرقان" إذا قصدت أجزاؤه وتفاصيله، كما نزلت آياته وسوره.
إن ما ذكرناه يتعلق بنزول القرآن، إن كان في شهر رمضان أم في شهر رجب.

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}
أولاً، لماذا أطلق على هذه الليلة إسم ليلة القدر؟ أهو لأنها ليلة التقدير، الليلة التي تعين فيها مقدرات الناس؟ تلك الليلة الوحيدة في السنة حيث يكتب لكل امرئ ما قدر له، أم إن معنى القدر هو التقدير والتثمين؟ أي الليلة الثمينة ذات القدر. على كل حال، حتى لو أخذنا المعنى الثاني، فإنها عالية القدر باعتبار المعنى الأول، إذ يقول بعد ذلك إنها خير من ألف شهر.

ثم هناك مسألة تطرح نفسها بخصوص الزمان والمكان، هل إن أجزاء الزمان وأجزاء المكان لها قيمتها بحد ذاتها، وبصرف النظر عن ارتباطها بحدث معين؟ الواقع إن أجزاء الزمان، من حيث كونها أجزاء زمان، لا يختلف الجزء منها عن الجزء الآخر بشيء. أي إن درجة وجود الجزء واحدة لكل الأجزاء، فلا فرق بين جزء من الزمان وجزء آخر، ولا يكون جزء أفضل من جزء، كأن يكون جزء فضيلا وآخر غير فضيل.
أما الأجزاء المكانية، أي الحيز المكاني من الأرض، فقد يكون هناك فرق بين أرض وأرض، إذ أن أجزاء المكان ليست ببساطة أجزاء الزمان، فهناك فروق بينها، ولكنها فروق مادية لا معنوية، فما معنى هذا؟ يعني إنه إذا كانت الأرض سبخة، لم تعط حاصلا، وإذا لم تكن سبخة، أعطت حاصلا وافرا.

أما من حيث فائدة البشر، فأرض تكون وافرة البركة، وأخرى تكون سبخة عديمة العطاء، فهذا مكان فيه بركة، وآخر لا بركة فيه. فالأرض المعطاء تعدل عند الزارع مئة ضعف من أرض لا خير فيها. فإذا وهبت مزارعاً أرضا ملحا، فما نفعها له؟ ولكنك اذا وهبته هكتاراً واحدا من أرض خصبة، فقد يعتاش منها سنته. وهذا أمر مادي ويرتبط بحياة الإنسان. فماذا عن الجانب المعنوي؟ فهل في الأرض بحد ذاتها اختلاف من حيث المعنويات؟ أي بقطع النظر عن ارتباطها بأي حدث او واقعة، وقبل أن يوجد أي إنسان في العالم، فهل يكون لقطعة أرض فضل على أخرى؟ فمثلا، هل إن أرض مكة أو الكعبة، قبل أن يخلق بشر على وجه الأرض، وقبل أن يظهر إبراهيم وإسماعيل كانت تمتاز بشيء على أية قطعة أرض أخرى.

الجواب هو أن ليس لأجزاء الزمان، ولا لأجزاء المكان، بذواتها، أي اختلاف معنوي فيما بينها، فليس ثمة أرض مباركة، ولا أخرى خبيثة (معنوياً). أجزاء الأرض كلها متساوية. غير أنها قد يتغير حالها، لأمر طارئ، فتصبح مباركة، كقطعة أرض متروكة، ثم تبنى مسجدا، فتصبح معبداً، وتكون لها سلسلة من الآداب والفروض الخاصة ويكون المكان مباركاً. لماذا؟ لأننا جعلناه مسجداً. كذلك البلدان. لا ريب إن الله يعلم منذ الأزل إن الأرض الفلانية ستكون مباركة لسبب ما. إن معرفة الله بأن الأرض الفلانية ستكون مباركة شيء، وأن الأرض بذاتها مختلفة شيء آخر. فالكعبة، منذ إبراهيم، بل لعلها منذ آدم، كانت المنطقة التي اختيرت لتكون مسجدا يعبد فيه الله الأحد. فهي بالإضافة إلى كونها مسجداً، تسمى بيت الله أيضاً. فالاحترام الذي تحظى به الكعبة يفوق احترام أي مسجد آخر. إن مسجداً ما ينظر إليه باحترام أكبر لأن ولياً من أولياء الله قد أقام الصلاة فيه. فمساجد العراق مثلا كلها مقدسة، إلا أن مسجداً واحدا يفوقها قداسة لأن الإمام علي عليه السلام قد صلى فيه، أو خطب فيه، أو ألقى فيه موعظة. وكذلك المسجد الذي صلى فيه الإمام زين العابدين ركعتين، حيث يكون من المستحب أن نقيم نحن أيضا يه ركعتي صلاة! وهذا يوصل إلينا شرف العبادة وقيمتها.

فالكعبة إذن نالت شرفاً لم ينله مسجد آخر ولا معبد، كمكان. والزمان كذلك أيضا، فالزمان يكتسب فضيلة بالإنسان. فعندما يعين زمان للعبادة يأخذ الناس يتعبدون فيه، أي إن الإنسان يتعبد في الوقت الذي يتعبد فيه الآخرون. فكل هذه الدعوات والصلوات ترتفع إلى السماء دفعة واحدة، فيكون هذا فضيلة أخرى.

نعود الآن إلى (ليلة القدر) فبحسب قول القرآن، ليلة القدر هذه التي هي خير من ألف شهر، هي ليلة واحدة في الحياة كلها، وهي تلك الليلة التي نزل فيها القرآن على الرسول. يقول كثير من أهل التسنن إن الأمر ليس كذلك، وإن ليلة القدر أكثر من ليلة واحدة، تعود كل سنة طيلة حياة الرسول، وعندما رحل الرسول رحلت ليلة القدر أيضا (هذا كلام لا أساس له).

إذن فليلة القدر مستمرة. هل كانت ليلة قدر للنبي؟ يقول النبي، نعم كانت، وكل الأنبياء كانت لهم ليالي قدر. ترى هل كانت ليلة قدر قبل أن يوجد إنسان أو نبي على وجه الأرض؟ هذا أمر مشكوك فيه. ليلة القدر تعني ليلة الإنسان الكامل، ليلة الولي الكامل. ولكن ما الذي نفهمه من القرآن نفسه؟ بعد أن قال القرآن {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ثم بعد ذلك يقول {ليلة القدر خير من ألف شهر} ولم يقل ليلة القدر كانت خيراً من ألف شهر. والأهم من هذا هو إن {أنزلناه في ليلة القدر} جاء فيها الفعل بصيغة الماضي، ولكنه بعد ذلك يستعمل المضارع ليدل على الدوام والاستمرار، فيقول {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} أي إن الملائكة والروح ينزلون بأمر ربهم إلى الأرض، فهي ليلة لم ينقطع فيها الارتباط بين السماء والأرض، إنها ليلة الارتباط بين السماء والأرض، حيث لا ينزل ملك واحد أو اثنان، بل الملائكة والروح (ينزلون)، بصيغة المضارع وليس (نزلوا) بصيغة الماضي.
إن الذين لا يقولون باستمرارية ليلة القدر قليلون.

يقول الأئمة عليهم السلام إسألوا هؤلاء، عندما تنزل الملائكة والروح ليلة القدر، إلى أين تنزل؟ هل تنزل إلى الأرض، أم أنها تنزل على القلب؟ إن الملائكة تنزل على الإنسان، على قلبه، فينبغي أن يكون قلب الإنسان قلباً جديراً بنزول الملائكة عليه. إن النزول لا معنى لهغير هذا. فالقضية هي أن ليلة القدر ليلة الإنسان الكامل. ولكن لماذا تكون ليلة القدر في رمضان؟ في الإسلام، لا معنى لأن تكون ليلة القدر في غير رمضان.
إن للأنبياء وللأولياء، كالأئمة الأطهار والذين هم أعلى مرتبة من كثير من الأنبياء، مسائل تخص عالمهم القريب من الله، لا نستطيع نخن فهمها. فهذا موسى بعد أن يصبح نبيا، ويريد أن تنزل عليه الأرواح، يذهب إلى ميقات ربه أربعين يوماً. في الليالي الثلاثين الأول لا يستطيع إنهاء دورته السلوكية {..وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ..}(الأعراف/142). لقد كانت المدة المقررة ثلاثين ليلة، ولقد بذل موسى خلال تلك الليالي الثلاثين جهداً جيداً لكي يبلغ  مرحلة الجدارة النهائية، ولكنه لم يستطع. فأضيف إلى المدة عشر ليالٍ أخر. كانت الليالي الثلاتون قد بدأت في غرة شهر ذي القعدة إلى نهايته، ولما لم يستطع، أضيفت عشر ليال ابتداء من ذي الحجة حتى العاشر منه، حينئذ فتح قلب موسى، وحصل له ما كان ينبغي له. وقد حصل هذا كله بعد أن بعث بالنبوة.

إن لكل إنسان ولكل وليّ دورة واحدة في السنة، بل إن لكل إنسان ومؤمن وظيفته في أن يقيم الصلاة خمس مرات في اليوم، ولكن له شهر واحد للعبادة، والشهر المخصص للعبادة، للتطهير، للتوجه إلى الله، للسمو، هو شهر رمضان.
فشهر رمضان قد عين لهذا، ولهذا فهو أفضل أشهر السنة. لعل اليوم العاشر من ذي الحجة يعتبر في نظر موسى من أفضل الأيام، ولكن في نظر نبي الإسلام شهر رمضان هو الأفضل. وفي هذا الشهر يستفيد الإمام أضعاف ما نستفيد، إذا أنه يبدأ مسيرته من أول الشهر حتى يصل إلى ليلة هي ليلة القدر، وعندئذ نفتح له الأبواب، و{تنزل الملائكة والروح}.

أما آية ليلة من ليالي رمضان هي ليلة القدر، فإن الروايات لم تبين ذلك، وفي ذلك بعض التعمد. هل ليلة القدر هي الليلة التاسعة عشر؟ أم الليلة الحادية والعشرون؟ أم الليلة الثالثة والعشرون؟ أم أن بعض المسائل تتهيأ في الليلة التاسعة عشرة، ثم تبرم في الليلة الحادية والعشرين، ثم تصل مثلا، مرحلة التوقيع عليها في الليلة الثالثة والعشرين؟ وهناك احتمال آخر في عدم تعيين ليلة القدر، وذلك إن ليلة القدر في كل سنة تخص الإمام وتتعلق بحالته في تلك السنة فقد ينهي الإمام دورته السنوية في الليلة التاسعة عشرة فتنزل فيها الملائكة عليه. وقد ينهي دورته في الليلة الحادية والعشرين، أو في الليلة الثالثة والعشرين. أي إن الدورة لا تقل عن 19 يوما، وهي تنتهي في واحدة من هذه الليالي، وعندئذ هل يكون للإنسان الكامل يد في مقدرات العالم أو الناس؟

قليلون أولئك الذين يصدقون أن تكون روح هذا الجرم الصغير لوحاً للتقديرات الآلهية، إنما نحن لا نصدق، لأننا لا نعرف الإنسان، فلا نعرف إن لوح روح الإنسان الكامل هو لوح التقدير الإلهي، وإنه ههنا يتحقق النزول والتقدير.
وبناء على ذلك فإن ليلة القدر هي ليلة الإنسان الكامل، وأن القرآن قد نزل في تلك الليلة، وإن النبي كانت له ليلة قدر في كل سنة، وكذلك الإمام وأن الأرض لا تخلو أبدا من الإنسان الكامل، وإن السنة لا تخلو من ليلة القدر، وإن ليلة القدر لا تخرج عن شهر رمضان.

عرفنا إن ليلة القدر من ليالي رمضان، تلك الليلة التي تتصل فيها الأرض بالسماء، الملك بالملكوت، وبحسب تعبير القرآن تفتح أبواب السماء على الأرض، حتى تكاد تتحد الطبيعة وما وراء الطبيعة في كيان الإمام عن طريق وجوده، وهو وجود مادي ملكي، ووجود ما ورائي. وهذا ما يذكره القرآن بصورة إجمالية:

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}
والخطاب طبعاً للرسول هنا، وفي أماكن أخرى يخاطب الناس، إذ يقول أن البشر لا يدركون ما هي ليلة القدر. ترى ماذا في هذه الليلة يجعلها خيراً من ألف شهر؟ هل هي ثواب العبادة فيها؟ لم لا؟ لأننا عندما نقيم الصلاة نقول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(الفاتحة/5). فهنا تكون العبادة جماعية، وتكون أرفع مرتقى، وذلك لأن روح الإنسان تكون عند ذاك على استعداد أكبر، ولها حضور أقوى، حيث يكون جمع من الأطهار مشغولين بالعبادة في اللحظة نفسها. ولقد ثبت أن للمادة أمواجاً تصل إلى الطرف الآخر من الدنيا، فكيف بالأمواج الروحية التي لا يمكن إدراكها؟ فإذا كانت ليلة القدر ليلة يكون فيها الإمام في حالة العبادة وفي تهيج روحي يجعل أبواب السماء تفتح على الأرض، وإذا كان أفراد من أمثالنا يرغبون في مثل هذه العبادة، فإن فيض السعادة الذي نحسه في هذه الليلة يعدل ألف ليلة. أي إن الجو الذي يولد يكون جو العبادة. جو التسامي، جواً يناسب إحياء الليل. إن فضيلة هذه الليلة لتربوا على ألف من الأشهر العادية.

في الختام، نخلص من هذه الأقوال إلى أن القرآن يقول: إن القرآن قد نزل في ليلة القدر {وما أدراك ما ليلة القدر} وإن ليلة القدر أفضل من ألف شهر، أي إن الليالي لا تبلغ هذه الليلة. لماذا؟  ماذا حدث؟ لأن الملائكة والروح (الروح في القرآن حقيقة أرفع من الملائكة) ينزلون بأمر من ربهم.
ولكلمة "الأمر" في القرآن استعمالات: فالأمر قد يكون إرادة حصول شيئ، وعندئذ يكون أمر الله هو وجود الشيئ عينه. فإذا كان الأمر هنا هكذا، يكون النزول إيجاداً إلهيا. وأما إذا كان الأمر أمراً، فإنه يرتبط بكل شأن من شؤون العالم.
{سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }(القدر/5).
أي إن الليلة من أولها إل آخرها سلام وسلامة، والسلام هي التحية، وهي التي تلقيها الملائكة في الإياب وفي الذهاب. والسلامة هي لمن يريد في هذه الليلة أن يسلم من كل الآفات، ومن الوساوس، ومن كيد الشيطان.