الأحد، 11 ديسمبر 2011

الشهيد - الشهيد مطهري


مكانة الشهيد:

القرآن الكريم يقول عن الشهيد:
"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون"
(آل عمران 169)
فالشهداء -إذن- "أحياء" و"عند ربهم " يرزقون ... وما أعظمها من منزله!!
والسنة تكثر من تشبيه المكانة السامية التي يمكن أن ينالها إنسان في حياته بمكانة الشهيد ..
لأنها ذروة الرقي والتكامل في المسيرة الإنسانية ..
فالسائرون على طريق طلب العلم، من أجل التعرف على الحقيقة، وطلبا لمرضاة الله تعالى، لا بهدف الترفع والاتجار، هم شهداء في

مفهوم الروايات الإسلاميه إن توفّاهم الله على هذا الطريق.
وهذا التشبيه يدل على علو مكانة طالب العلم إضافة لما له من دلالة على أن الشهادة هي الذروة في مسيرة الإنسان التكاملية .
ونظير هذا التشبيه ورد بشأن الساعي على طريق إدارة دفة اقتصاد عائلته، وبالتالي على طريق إدارة اقتصاد مجتمعه .. في الحديث:
"الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله" ..

حق الشهيد

كل أولئك الذين خدموا البشرية بشكل من الأشكال لهم حق على بني الإنسان، سواء أسدوا خدماتهم عن طريق العلم أم الفكر أم الفلسفة و الاختراع  والاكتشاف أم الأخلاق والحكمة العملية ...
لكن أحدا من هؤلاء ليس له على البشرية حق كما الشهيد ...
ومن هنا فان ما يكنه أبناء البشر من تعاطف وانشداد تجاه الشهداء يفوق ما يكنوه تجاه سائر
خدمة البشرية.
ولماذا هذا التفوق ؟
الدليل واضح .. كل المجموعات التي أسدت خدمات إلى البشرية مدينة للشهداء .. لكن الشهداء قلما كانوا مدينين لهذه المجموعات.
العالم في علمه .. والفيلسوف في فلسفته .. والمخترع في اختراعه .. ومعلم الأخلاق في تعاليمه، محتاجون إلى أجواء حرة مساعدة كي يقدموا خدماتهم ..

والشهيد بتضحياته يوفر هذه الأجواء ..
الشهيد كالشمعة التي تحترق وتفنى لتضئ الطريق للآخرين ..
الشهداء شموع البشرية على طريقها اللاحب الطويل ..
ولولا هذه الشموع لما استطاعت المسيرة البشرية أن تواصل طريقها، ولما استطاع أبناء البشر في ظلمات الاستعباد والاستبداد أن يمارسوا نشاطاتهم ويقدموا خدماتهم الإنسانية.
والله سبحانه يخاطب نبيه الكريم قائلا:
"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا "
(الأحزاب 44-45)
و(السراج المنير) مفهوم يدل على الإضاءة، وينطوي على معنى الاحتراق وإزالة دياجير الظلام .


جسد الشهيد

أحكام الإسلام تقوم كلها على أساس الحكمة والمصلحة، وجميعها
لها دلالاتها الخاصة، وخاصة دلالاتها الإجتماعية.
ومن هذه الأحكام ما يتعلق بالميت من غسل وتكفين وصلاة ودفن . وكلها ذات معان خاصة لسنا بصدد الحديث عنها ..
إلاّ أن أحكام الميت هذه، لها استثناء .. وهذا الإستثناء يختص بجسد الشهيد .
فأحكام الميت لا تطبق على جسد الشهيد سوى الصلاة والدفن .
أما الغسل والتكفين .. فلا .
الشهيد يدفن بدمه وملابسه ..
وهذا الإستثناء له مغزاه العميق، انه يرمز إلى أن روح الشهيد بلغت درجة
من السمو والطهارة بحيث ترك هذا السمو والطهر آثاره على

جسد الشهيد وعلى دمه، بل وحتى على ما يرتديه من لباس .
بدن الشهيد "جسد متروح " إن صح التعبير، أي أضحى
وجودا تجري عليه أحكام الروح ..
ولباسه أضحى .. "لباسا متجسدا" أي تجري عليه أحكام
الجسد الذي يضم تلك الروح الطاهرة .
فجسد الشهيد ولباسه اكتسبا الشرف من طهر روحه وعلو فكره وسمو تضحيته ..
وتلك دلالة أخرى على قداسة الشهيد في المفهوم الإسلامي ..


الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

وجهان لواقعة كربلاء - الشهيد مطهري



ان واقعة عاشوراء و معركة كربلاء لها وجهان، وجه أبيض و نوراني و الآخر مظلم و أسود قاتم السواد و كلتا الصفحتين اما لا نظير لهما أو نادرتان جدا. أما الصفحة السوداء و المظلمة فانها كذلك لأنها عبارة عن جريمة نادرة أو لا نظير لها أبدا.


لقد فكرت مرة بدرجة و حجم الجريمة المرتكبة في عاشوراء فرأيت أن واحدا و عشرين نوعا من أنواع الرذالة و اللؤم قد ارتكب كحد أدنى في هذه الواقعة و لا أعتقد أن هناك واقعة أخرى في الدنيا يمكن لها أن توازي مثل هذه الواقعة في حجم تنوعها. بالطبع يوجد هناك في تاريخنا الحروب الصليبية التي لم يترك فيها الأوروبيون مجالا للتعجب عندما ينظر الى سواها من حوادث التاريخ الاجرامي. و اذا كنت قد ترددت في الادعاء بعدم وجود شبيه لحادثة كربلاء من ناحية حجم الجريمة فالسبب انما يعود لحجم الجريمة التي ارتكبها الغربيون في المعارك الصليبية و كذلك الجرائم التي ارتكبها هؤلاء الاوروبيون أنفسهم في الأندلس الاسلامية و هي عجيبة للغاية. و في هذا المجال أدعوكم للرجوع الى كتاب "تاريخ الأندلس" للمرحوم آيتي المطبوع من قبل جامعة طهران وهو كتاب تحقيقي نفيس.


يقول المؤلف في هذا الكتاب:
" ان الاوروبيين كانوا قد سمحوا لمائة ألف من الرجال و النساء و الأطفال أن يخرجوا من منازلهم و يتوجهوا حيث يشاؤون و لكنهم ما أن تحركوا بشكل جماعي حتى نقض الأوروبيون العهد و ربما كانت الخطة خدعة مدبرة من الأساس للايقاع بهم. على اي حال فانه ما ان تحركت الجموع حتى صدرت الأوامر بارتكاب المجزرة و قطع رؤوس الجميع بعد تقتيلهم شر قتلة."
ان الشرق لن يصل في حجم جرائمه الى الغرب. انك لو طالعت تاريخ الشرق كله بما فيه التاريخ الأموي فانك سوف لن تعثر على هذين النوعين من الجرائم و هي حرق البشر و هم أحياء و الثانية ممارسة القتل الجماعي للنساء لكنك ترى مثل هذا النوع من الجرائم في تاريخ الغرب يتكرر باستمرار. ان قتل النساء امر شائع في تاريخ الغرب. لا تصدقوا ان الغربيين يملكون روحا انسانية في داخلهم. ان ما جرى في فيتنام يشكل امتدادا لروح الحروب الصليبية و معارك الأندلس. ان قتل مئات الألوف من الناس و هم أحياء خلال رميهم في أفران الغاز حتى و ان كانوا مجرمين امر لا يفعله الانسان الشرقي، و لا يمكن لمثل هذه الجريمة أن تحصل على يد الشرقيين. ان هذا العمل لا يحصل الا على يد غربيي القرن العشرين فقط.


ان جريمة ترك عشرات الألوف من الأسرى يموتون في صحراء سيناء من الجوع و العطش خوفا من تبعات أسرهم عمل لا يصدر الا عن الغرب و الغربيين. ان الشرقي لا يرتكب مثل هذه الجريمة. ان اليهودي الفلسطيني أشرف من اليهودي الغربي. على كل حال فانني لا أستطيع القول بأن جريمة مثل جريمة كربلاء  لم تقع و لن يقع مثلها في العالم لكنني أستطيع القول بأنها لا مثيل لها في العالم الشرقي.
من هذه الزاوية يمكننا القول بأن واقعة كربلاء تمثل مأساة كاملة، و مصيبة عظمى، و ملحمة رثائية. و عندما نتفحص في هذا الوجه منها ترى قتل الأبرياء و الشباب و الأطفال الرضع، و سحق جثث الموتى بحوافر الخيل، و منع المياه عن الانسان، و معاقبة النساء و الأطفال بجريمة آبائهم و أزواجهم، و تعذيب الأسرى من خلال اجبارهم على ركوب الجمال و هي عارية من سروجها...الخ فمن هو بطل الواقعة من وجهو النظر هذه؟


انه لأمر واضح هنا بأن البطل من هذه الزاوية الجنائية ليس ذلك الذي يتحمل الضربات فهو لا شك المظلوم في هذا الجانب. ان بطل الواقعة من هذه الزاوية هو يزيد بن معاوية و عبيد الله بن زياد و عمر بن سعد و شمر بن ذي الجوشن و خولى و آخرون، و لذلك فاننا عندما نطالع الصفحة السوداء من هذا التاريخ سنرى صورة الجريمة و الرثاء فقط لعالم البشرية. فلو أردنا قول الشعر هنا ماذا علينا أن نقول؟ علينا أن نقرأ المنظومات الرثائية و لا نجد شيئا نقوله سوى الرثاء.
و لكن هل أن تاريخ عاشوراء هو هذه الصفحة فقط؟


هل ان عاشوراء عبارة عن رثاء فقط؟ هل هي مصيبة و ليست شيء آخر؟


ان خطأنا هنا بالذات، حيث هذه الواقعة لها صفحة أخرى بطلها هذه المرة ليس ابن معاوية و ليس ابن زياد و ليس ابن سعد و لا الشمر. بطلها هنا هو الحسين عليه السلام. و في هذه الصفحة ليس للجريمة مكان و لا مكان للمأساة أيضا، انها صفحة الحماس و الملاحم و الفخر و النورانية و تجلي الحقيقة و الانسانية و تقديس الحق، و عندما نقرأ هذه الصفحة نستطيع القول بأن من حق البشرية أن تطير من الفرح. لكننا عندما نطالع تلك الصفحة المظلمة نرى أن البشرية قد نكست رأسها خجلة مفضوحة و هي ترى نفسها مصداق الآية الشريفة: "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ".




الاثنين، 5 ديسمبر 2011

أصول القيادة - الشهيد مطهري

القيادة التي يبحث عنها القران الكريم هي الزعامة المتجهة نحو الله تعالى في بعديها الاجتماعي والمعنوي، بخلاف ما يفهمه البشر في العالم المعاصر من القيادة بأنّها مجرّد زعامة اجتماعية، لأنّه يحتاج إلى القيادة بطبيعته، وقيمة هذه القيادة تبتني على ثلاثة أصول:





فقد اهتم القران الكريم بتوجيه الإنسان إلى معرفة نفسه، وما أودع له الله من قوى كبيرةٍ كامنةٍ فيه، فهو أعرف من الملائكة بالأسماء ممّا جعلها تسجد له، وهو أرفع الموجودات جميعاً، كلّها مسخرة لخدمة مصالح الإنسان (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)، و(أَلَمْ تَرَوْا أَنّ‏َ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) .


فالإنسان يختلف عن الحيوان من حيث الغرائز وطبيعتها، وهو أضعف منها في هذا المجال، فالحيوانات مجهزة بمجموعةٍ من الغرائز تُسيِّرها وتقودها وتنظِّم لها حياتها، فهي لا تتعدّاها، إلا أن الإنسان ليس كذلك، فهو من جهة يمتلك قوى أكبر وأكثر من الحيوانات، لكن لم يودع الله فيه غرائز كثيرةً جداً، وإنما ألقى على عاتقه قيادة نفسه، فالإنسان يفتقر إلى الغرائز الداخلية التي تقوده، ولذلك احتاج للموجِّه الخارجي، وهذه فلسفة بعثة الأنبياء (ع)، فإنهم بعثوا لأجل تربية هذه الغرائز، وتعريف الإنسان على النفائس المكنونة في أعماقه، وكيف يستخدمها ويستفيد منها بالشكل الصحيح، ومن ثم توجيه الإنسان والقوى البشرية لتسير على الطريق المستقيم، ويحثونه على الحركة والعمل، وبالتالي تتحقق القيادة الحكيمة للقوى البشرية.


هناك مجموعة من القوانين والأصول الحاكمة على سلوك الإنسان وتصرفاته، والذي ينصّب نفسه قائداً وزعيماً للبشر عليه أن يتعرّف على هذه القوانين الحاكمة، لأنها مفتاح السيطرة على قلوب الناس، فيرسم لهم طريق العمل بها ويحثَّهم على الاستفادة منها بالشكل الصحيح، وتعبير القران الكريم بحقّ الرسول الأكرم (ص) مثير للدهشة حيث يقول: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيّ‏َ الْأُمِّيّ‏َ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ‏ُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ، فهذه الأثقال ليست إلا التقاليد والخرافات، وهذه الأغلال ليست إلا عادات روحيّة تكبّل استعداداته وطاقاته المعنوية الزاخرة التي أدّت به إلى الجمود والشقاء واليأس، ويأتي دور النبي بالقيادة من بُعدها الاجتماعي ليطلق سراح هذه القوى المقيَّدة، ويبثّ فيها النشاط والحيوية، ويأخذ بيدها في المسار الصحيح، فيجعل من أضعف الشعوب، بسبب القيادة الحكيمة، أمّة قويّة لا يفوقها قوّة.


مظاهر المجتمع الحي - الشهيد مطهري


قد لا يمكننا فهم كنه الحياة الإنسانية لشدة تعقيدها، لكننا نحاول فهمها من خلال تلمّس بعض الآثار، فمن آثار هذه الحياة :

الوعي والتحرك :
كلما ازداد وعي المجتمع وروح الاندفاع والحركة فيه كان أقرب للحياة، وكلما قل إدراكه ووعيه وخمدت فيه روح الحركة كان أقرب إلى الموت، وهذا معيار هام لتمييز ما هو من الإسلام ممّا هو دخيل عليه، لأن الإسلام دين الحياة والتقدم والوعي، ولا ينسجم أبدا مع الموت والفتور والجهل، لكن إذا نظرنا إلى واقعنا اليوم وجدنا أننا نحترم الساكن الراكد بدل أن نحترم ونقدر المتحرك، وهذا مظهر من مظاهر الانحطاط في مجتمعنا .

بين أفراد المجتمع، وهو يزداد كلما كانت روح الحياة نابضة أكثر في المجتمع، وإذا ضعف هذا الترابط اتجه المجتمع نحو الموت، وهذا معيار آخر يمنحنا فهم مجتمعنا الإسلامي هل هو حي أو هو ميت .
فالمجتمع الإسلامي الواقعي مجتمع حيّ بسبب الترابط والتعاضد بين أفراده .
( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ).
هذه الحمى ليست عملية مواساة فحسب، وإنما هي حالة نفير عام لكل الأعضاء لمواجهة العدو الداهم على العضو المصاب .
بينما المجتمع الإسلامي المعاصر تمزقه الخلافات والصراعات الداخلية التي يراهن عليها أعداء الإسلام، فأين المسلمون من الترابط؟ لقد بدأ الموت يدب في جسد الأمة منذ أن استشرى بين أفرادها الانحراف والتفكك، فقد اقتطع الأعداء الأندلس وذلك الجزء العزيز من جسد الإسلام، ثم اقتطعوا فلسطين أُولَى القبلتين ولم يظهر من المسلمين أي ردّ فعل حقيقي ينبئ عن وجود حياة في سائر الأعضاء، والسبب هو الانغماس في صراعات داخلية وطائفية، فأين المسلمون من قول الرسول الأكرم (ص) : " من سمع مسلما ينادي يا لَلمسلمين ولم يجبه فليس بمسلم "  .

الأحياء منهم بالدرجة الأولى، لأن تكريم الأموات قد لا ينمّ عن ظاهرة حياة، وخير مثال على الشخصيات الحية العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، فهو مثال التقوى والورع، وهو عالم مفكر قدّم للمسلمين علما واسعا لا سيما كتابه الميزان في تفسير القرآن، الذي يعتبر أفضل تفسير كتب حتى الآن، مع الاعتراف بأهمية التفاسير الأخرى، وهو العالم الذي يعيش آلام الأمة وهمومها، ولا أدل على ذلك من موقفه تجاه القضية الفلسطينية، حيث تصدى لجمع تبرعات مالية للأخوة الفلسطينيين، وهو الرجل الذي ذاع صيته خارج إيران، بل تجاوز العالم الإسلامي، والعلماء المسلمون يتوافدون عليه من كل حدب وصوب وقد زاره أخيرا الأستاذ علال الفاسي من المغرب معربا عن إعجابه بهذه الشخصية العظيمة، كما أن المستشرقين على علم بمكانة وقدر هذا المفكر الإسلامي .

وبالأفراد الذين صنعوا التاريخ بدمهم يؤكد أن المجتمع حيّ أبيّ الضيم لا ينثني أمام التحديات والصعاب، ومن هنا كانت تعاليم الأئمة عليهم السلام، تؤكد على مخاطبة الشهداء .
" يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً ".
والبكاء على الشهيد وإحياء ذكراه .
" كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء "  .


الأحد، 4 ديسمبر 2011

حادثة كربلاء - الشهيد مطهري



الانسان عندما يتأمل بعمق في حادثة كربلاء يرى أمورا محيرة و لا يقدر أن يتصور أنها أمور حصلت مجرد صدفة، و لذلك فان وراء الاصرار المتزايد للائمة الاطهار و توصياتهم المحققة بضرورة احياء و تخليد الذكرى يعود في الواقع الى رغبتهم و ارادتهم القاضية بضرورة احياء و تخليد الاسلام المجسم المتمثل بهذه الحادثة ، فلا تدعوا هذا الاسلام المجسم ينسى أبدا.


ترى ماذا نواجه نحن في مطالعتنا لحادثة كربلاء؟ اننا نرى اتجاه حركة عجيبة في هذه الواقعة التاريخية. فالرجل له دور في هذه الواقعة، و المرأة لها دور، و الشيخ، و الشباب، و الطفل، كل له دور... الأبيض له دور، و الأسود له دور كذلك، العرب و غير العرب لهم أدوارهم أيضا، الطبقات الاجتماعية المختلفة لعبت أدوارها أيضا، كما لو أن القضاء و القدر الالهيين قد شاءا أن تمثل الطبقات الاجتماعية المختلفة دورها في هذه الواقعة. أي أن يمثل الاسلام فيها.


الشهيد مرتضى مطهري - كتاب الملحمة الحسينية



للحصول على الملكة الأخلاقية - الشهيد مرتضى مطهري



إن جهاد النفس والحصول على الملكات الأخلاقية الرفيعة وإتباع العقل وترك إتباع الهوى لا يحصل تلقائيا،



كما لا يحصل بمجرد مرور الزمن والتقدم بالعمر، وإنّما يتمّ على مرحلتين:

في المرحلة الأولى: على الإنسان أن يقف بوجه رغباته وأهوائه، فعند كلّ معركة ونزاع ينشب بين العقل والقلب عليه أن يتجاهل رغبات القلب ويرتضي أوامر العقل.

في المرحلة الثانية: وهي مرحلة التمرين والحصول على الملكة بالسيطرة التامّة على هذه النفس الأمّارة، فعلى الإنسان أن يَلزم نفسه مدّة طويلة ليربيها ويثقّفها بشكل دائم لا يهدأ، فلا تكون السيطرة يوماً لرغبات قلبه. وينبغي أن يكون عقله هو المسلّط على أعماله وأقواله، وحركاته وسكناته، فلا تعود نفسه تشتهي أصلاً ما لا يرضاه عقله؛ وذلك لأنّها إذا علمت بأنّها لا يمكن أن تؤثر يوماً عليه بأيّ شكل من الأشكال، ويئست من إمكانية أن تكون السيطرة لها، فستعتاد مع مرور الزمن على ذلك، وتصبح مطواعاً لعقله وبصيرته، لا تطلب سوى ما يطلبه.



والصراع والجهاد مع النفس الأمّارة يتطلب نفحة قويّة من القدرة، بل هي القدرة الأسمى، كما ورد في القصة التي تُنقل عن رسول الله "صلى الله عليه وآله" حين مرّ بجمع من الشبّان كانوا يتبارون في رفع صخرة ثقيلة يمتحنون بها أشدهم وأقواهم، فقال لهم: "ألا أخبركم بأشدكم وأقواكم؟".

قالوا: "بلى يا رسول الله".

وقد ظنّوا أنّه سوف يختار منهم أقواهم عضلاً، ولكن الرسول صلى الله عليه وآله على خلاف ما ظنوا، قال:
"أشدكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، وإذا قدر لم يتعاط لم ليس بحق".

فليس الأقوى من امتاز بقوّة العضل، بل الذي يمتاز بقوة الروح.



ولأنّ مجاهدة النفس الأمارة يتطلب القدرة الأسمى، بل نوعاً من الحرب الداخلية التي هي أشدّ من الحروب العاديّة المتعارفة فإنّ الرسول صلى الله عليه وآله، وبعد أن رجع مع أصحابه من الجهاد، التفت إليهم وقال لهم:
"مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر".
فقالوا: وما الجهاد الأكبر يارسول الله؟!.
فقال "صلى الله عليه وآله وسلم":
"هو مجاهدة النفس، ومجالدة هواها".



حقيقة الانتظار - الشهيد مرتضى مطهري


يُجمع المسلمون على أنّ مستقبل التاريخ هو مستقبل مشرق، حيث ستظهر شخصيّة باسم "المهديّ" تحقّق الانتصار لقوى الحقّ على قوى الباطل في الجولة الأخيرة من الصراع، وهذا هو الفرج الذي وعدت به جميع الكتب السماويّة، وجُعِل انتظاره من أفضل العبادات. وبذلك يبعث الإسلام الأمل في مستقبل البشريّة، فتكون نظرته تفاؤلية بخلاف بعض الرؤى التشاؤميّة لمستقبل التاريخ.
 
2- إنّ الفرج الذي يبشّر به الإسلام هو بشرى لجميع الفئات الإنسانيّة في هذا العالم، فلا يختصّ بفئة معيّنة.



3- تمثِّل مسألة نهضة المهديّ عجل الله تعالى فرجه قضيّة تتمتّع بخصائص فلسفيّة وإجتماعيّة كبرى، فإنّ لهذه النهضة خصائص ثقافيّة وتربويّة فضلاً عن السياسيّة والاقتصاديّة...

  هناك نوعان من الانتظار:

الأول: الانتظار الهدّام

وهو انتظار يبعث على الخمول والكسل ويدعو إلى عدم العمل، حيث لا يرى لأنصار الحقّ والمصلحين العاملين أيّ دورٍ في عمليّة الظهور، بل بنظره إنّ المجاهدين والمصلحين يشكلون عاملاً مساهماً في تأخيره، لذا يدين أصحاب هكذا تصوّر الإصلاحات، فيما ينظرون إلى انتشار الفساد والظلم بعين الارتياح والرضا، فهذه الأمور بنظرهم هي التي تعجّل في حصول الفرج. فهؤلاء يرَون أنّ عمليّة الظهور هي عمليّة انقلاب الأوضاع التي وصلت إلى نهاية الانحدار والفساد فتحلّ مكانها الحكومة المهدويّة.
وهو بذلك يشترك في نظرته للتاريخ مع الاتجاه الديالكتيكيّ في عنصره الأساسيّ، وهو قيام تكامل التاريخ على صراع التناقضات، وفي مجموعة من نتائجه من ضرورة  تشديد الفوضى وإشاعة الفساد، ومعارضة الإصلاحات.



وهذا الانتظار مخالف للتعاليم الإسلامية والمفاهيم القرآنية، ولذا لا يمكن الالتزام به.
الثاني: الانتظار البنّاء

وهذا الانتظار يدعو إلى العمل والجهاد والإصلاح ونصرة الحقّ، واتباع أحكام مفاهيم الإسلام في كلّ زمان ومكان، ويعطي دوراً أساسيّاً لإرادة الإنسان في عملية تكامل التاريخ.
وهو يقوم على أساس ضرورة استمرار صراع الحقّ مع الباطل، مع إعطاء دور أساس لأنصار الحق في مسألة التمهيد للمهديّ عجل الله تعالى فرجه.
ويستند هذا الانتظار إلى الآيات والروايات، ويراعي مفاهيم وتعاليم الإسلام الصالحة لكلّ زمان ومكان.