السبت، 18 فبراير 2012

تفسير سورة القدر - الشهيد مرتضى مطهري




بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ*تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ*سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }(القدر/5:1).

يدور حديثي حول سورة القدر

 القضاء والقدر ضربان: ضرب قابل للتبديل، وضرب غير قابل للتبديل. ففي أدعية شهر رمضان نقرأ طالبين من الله أن يقدر لنا قدراً من الضرب الذي لا يتغير ولا يتبدل. من هذا يتضح أن هناك قدرين: -القدر الذي يمكن تبديله ، -القدر الذي لا يمكن تبديله.
والدعاء من أرفع مطاليب البشر، إذ أن الإنسان يريد بالدعاء أن يغير المقدرات، أي إنه يريد أن تؤثر الأرض في السماء، والطبيعة في ما وراء الطبيعة. نحن لا نعلم أي المقدرات يمكن تغييرها، وأي المقدرات لا يمكن تغييرها، ولكننا ندعو دعاءنا حتى نغير القدر الذي يمكن تغييره، فإذا لم يكن من النوع الذي يمكن تغييره، نكون على كل حال، قد دعونا، والدعاء عبادة، وللدعاء أثران: أ-الدعاء بحد ذاته تقرب الإنسان من الله. ب-إذا لم يتحقق الدعاء فعلا، فإنه مستجاب، لأن أصل الدعاء يعطي أثره، أما تحقق المطلوب أو عدم تحققه فأمر آخر.
 إنها سورة من تلك السور ذوات النغمات الخاصة، وفيها موضوع مثير للتساؤل.

فلنتدبر الآن في هذه الآيات، وفي آيات أخرى، لنرى ما يستفاد من هذه السورة الصغيرة. ونبدأ بشرح بعض الألفاظ.
يتضح من آية {وما أدراك ما ليلة القدر} أن هذه الليلة عظيمة الشأن من عند الله، وأن البشر لا يقدر على أدراك أهميتها، فهي ليلة جليلة وعظيمة، حتى أنها {خير من ألف شهر} حيث الملائكة والروح تنزل فيها بأمر من ربها، {سلام هي حتى مطلع الفجر}.
النقطة الأولى هي أن القرآن قد نزل في ليلة القدر، غير أن هذه السورة لا تعين أية ليلة هي ليلة القدر هذه، إلا هناك آية أخرى في سورة البقرة تقول:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ..}(البقرة/185).
فهو يصف شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. إذن، ليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان، بدلالة الآية الأولى من سورة القدر، وهذه الآية من سورة البقرة.

هنالك آية أخرى من سورة الدخان، فيها توضيح آخر لليلة التي نزل فيها القرآن. وتلك الآية هي:
{حم*وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}(الدخان/4:1).
أي إن ليلة نزول القرآن ليلة مباركة، وإننا نحذر وننذر بالخطر، وهي ليلة تحدث فيها أمور.
وعليه فإن الليلة التي نزل فيها القرآن، بحسب آية سورة البقرة، هي من ليالي شهر رمضان، وبحسب هذه الآية، هي ليلة مباركة تجري فيها أمور، أي إنها ليلة التقدير، ليلة توضع فيها سلسلة من التقديرات. وبأخذ آية {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} بهذا الخصوص، يتضح أن الليلة من ليالي الله التي تجري فيها أمور.
ثمة نقاط لا بد من البحث فيها:
1-يتبادر إلى الذهن هنا سؤال. فإذا كان نزول القرآن في ليلة القدر، وليلة القدر من ليالي شهر رمضان، أفلا يعني هذا إن النبي قد بعث في ليلة القدر؟ فلماذا نحتفل بالمبعث في اليوم السابع والعشرين من رجب، مع أن القرآن يصرح بنزوله في رمضان؟

هنا لابد من أن نشير إلى موضوع، وإن لم يكن جوابا على هذا السؤال، إلا أننا لابد أن نشير إليه، وهو إن للقرآن نزولين: النزول الإجمالي، والنزول التدريجي، أو التفصيلي. فالنزول الإجمالي هو النزول غير الزماني، والنزول التدريجي هو النزول التفصيلي الزماني.
وكلمة "نزول" بحسب اللغة العربية، ترد في موضعين اثنين: الأول من باب إفعال (إنزال) {إنا أنزلناه}، والآخر من باب تفعيل (تنزيل)(1-كما في الآية{تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(السجدة/2).-المترجم). علماء اللغة العربية يقولون إن هناك فرقاً بين هاتين الصيغتين من حيث المعنى. فأنزلناه ترد حيث يقصد النزول الكلي دفعة واحدة، وتنزيل ترد حيث يكون التنزيل تدريجياً فالقرآن، إذن، إنزال وتنزيل.

ففي هذه الآيات{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} و{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} و{حم*وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} يأتي الفعل من إفعال، وهي كلها تشير إلى نزول إجمالي دفعة واحدة، غير مشروط بزمان، نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قبل تنزيله عليه بهيئة روح، لا بهيئة آيات وكلمات وألفاظ وسور. وبعد أن استقرت تلك الروح في الرسول الكريم، وهي روح القرآن، نزل القرآن مرة أخرى بهيئة ألفاظ وكلمات وسور هذه المرة.

إن لدينا بهذا الشأن روايات كثيرة، فقد ورد عن الأئمة الأطهار مرارا أن القرآن قد نزل على الرسول الكريم بهيئتين: بهيئة إجمالية واسعة ودفعة واحدة، وبهيئة تفصيلية تدريجية زمانية. فذلك النزول الإجمالي الذي نزل على الرسول دفعة واحدة، هو النزول الذي حدث في شهر رمضان. في ذلك الوقت لم يكن الرسول قد بعث بعد. بعثة الرسول تبدأ منذ أن نزل جبرئيل يحمل إلى الرسول القرآن والروح والحقيقة، في صورة ألفاظ وكلمات. ذلك هو زمان بعثة الرسول. وهو ما حصل في شهر رجب، ودام 23 سنة.
هنالك لفظتان لكتاب الله: القرآن والفرقان، كما جاء في سورة الفرقان:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا }(الفرقان/1). الفرقان من مادة"فرق" أي الفصل والتفريق. والمقصود هو أننا أنزلنا القرآن مفرقا، مجزأ، لكي تقرأه على الناس تدريجيا.

يرى بعضهم أن لفظة "قرآن" تطلق على كتاب الله مجموعا، وتطلق عليه لفظة "فرقان" إذا قصدت أجزاؤه وتفاصيله، كما نزلت آياته وسوره.
إن ما ذكرناه يتعلق بنزول القرآن، إن كان في شهر رمضان أم في شهر رجب.

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}
أولاً، لماذا أطلق على هذه الليلة إسم ليلة القدر؟ أهو لأنها ليلة التقدير، الليلة التي تعين فيها مقدرات الناس؟ تلك الليلة الوحيدة في السنة حيث يكتب لكل امرئ ما قدر له، أم إن معنى القدر هو التقدير والتثمين؟ أي الليلة الثمينة ذات القدر. على كل حال، حتى لو أخذنا المعنى الثاني، فإنها عالية القدر باعتبار المعنى الأول، إذ يقول بعد ذلك إنها خير من ألف شهر.

ثم هناك مسألة تطرح نفسها بخصوص الزمان والمكان، هل إن أجزاء الزمان وأجزاء المكان لها قيمتها بحد ذاتها، وبصرف النظر عن ارتباطها بحدث معين؟ الواقع إن أجزاء الزمان، من حيث كونها أجزاء زمان، لا يختلف الجزء منها عن الجزء الآخر بشيء. أي إن درجة وجود الجزء واحدة لكل الأجزاء، فلا فرق بين جزء من الزمان وجزء آخر، ولا يكون جزء أفضل من جزء، كأن يكون جزء فضيلا وآخر غير فضيل.
أما الأجزاء المكانية، أي الحيز المكاني من الأرض، فقد يكون هناك فرق بين أرض وأرض، إذ أن أجزاء المكان ليست ببساطة أجزاء الزمان، فهناك فروق بينها، ولكنها فروق مادية لا معنوية، فما معنى هذا؟ يعني إنه إذا كانت الأرض سبخة، لم تعط حاصلا، وإذا لم تكن سبخة، أعطت حاصلا وافرا.

أما من حيث فائدة البشر، فأرض تكون وافرة البركة، وأخرى تكون سبخة عديمة العطاء، فهذا مكان فيه بركة، وآخر لا بركة فيه. فالأرض المعطاء تعدل عند الزارع مئة ضعف من أرض لا خير فيها. فإذا وهبت مزارعاً أرضا ملحا، فما نفعها له؟ ولكنك اذا وهبته هكتاراً واحدا من أرض خصبة، فقد يعتاش منها سنته. وهذا أمر مادي ويرتبط بحياة الإنسان. فماذا عن الجانب المعنوي؟ فهل في الأرض بحد ذاتها اختلاف من حيث المعنويات؟ أي بقطع النظر عن ارتباطها بأي حدث او واقعة، وقبل أن يوجد أي إنسان في العالم، فهل يكون لقطعة أرض فضل على أخرى؟ فمثلا، هل إن أرض مكة أو الكعبة، قبل أن يخلق بشر على وجه الأرض، وقبل أن يظهر إبراهيم وإسماعيل كانت تمتاز بشيء على أية قطعة أرض أخرى.

الجواب هو أن ليس لأجزاء الزمان، ولا لأجزاء المكان، بذواتها، أي اختلاف معنوي فيما بينها، فليس ثمة أرض مباركة، ولا أخرى خبيثة (معنوياً). أجزاء الأرض كلها متساوية. غير أنها قد يتغير حالها، لأمر طارئ، فتصبح مباركة، كقطعة أرض متروكة، ثم تبنى مسجدا، فتصبح معبداً، وتكون لها سلسلة من الآداب والفروض الخاصة ويكون المكان مباركاً. لماذا؟ لأننا جعلناه مسجداً. كذلك البلدان. لا ريب إن الله يعلم منذ الأزل إن الأرض الفلانية ستكون مباركة لسبب ما. إن معرفة الله بأن الأرض الفلانية ستكون مباركة شيء، وأن الأرض بذاتها مختلفة شيء آخر. فالكعبة، منذ إبراهيم، بل لعلها منذ آدم، كانت المنطقة التي اختيرت لتكون مسجدا يعبد فيه الله الأحد. فهي بالإضافة إلى كونها مسجداً، تسمى بيت الله أيضاً. فالاحترام الذي تحظى به الكعبة يفوق احترام أي مسجد آخر. إن مسجداً ما ينظر إليه باحترام أكبر لأن ولياً من أولياء الله قد أقام الصلاة فيه. فمساجد العراق مثلا كلها مقدسة، إلا أن مسجداً واحدا يفوقها قداسة لأن الإمام علي عليه السلام قد صلى فيه، أو خطب فيه، أو ألقى فيه موعظة. وكذلك المسجد الذي صلى فيه الإمام زين العابدين ركعتين، حيث يكون من المستحب أن نقيم نحن أيضا يه ركعتي صلاة! وهذا يوصل إلينا شرف العبادة وقيمتها.

فالكعبة إذن نالت شرفاً لم ينله مسجد آخر ولا معبد، كمكان. والزمان كذلك أيضا، فالزمان يكتسب فضيلة بالإنسان. فعندما يعين زمان للعبادة يأخذ الناس يتعبدون فيه، أي إن الإنسان يتعبد في الوقت الذي يتعبد فيه الآخرون. فكل هذه الدعوات والصلوات ترتفع إلى السماء دفعة واحدة، فيكون هذا فضيلة أخرى.

نعود الآن إلى (ليلة القدر) فبحسب قول القرآن، ليلة القدر هذه التي هي خير من ألف شهر، هي ليلة واحدة في الحياة كلها، وهي تلك الليلة التي نزل فيها القرآن على الرسول. يقول كثير من أهل التسنن إن الأمر ليس كذلك، وإن ليلة القدر أكثر من ليلة واحدة، تعود كل سنة طيلة حياة الرسول، وعندما رحل الرسول رحلت ليلة القدر أيضا (هذا كلام لا أساس له).

إذن فليلة القدر مستمرة. هل كانت ليلة قدر للنبي؟ يقول النبي، نعم كانت، وكل الأنبياء كانت لهم ليالي قدر. ترى هل كانت ليلة قدر قبل أن يوجد إنسان أو نبي على وجه الأرض؟ هذا أمر مشكوك فيه. ليلة القدر تعني ليلة الإنسان الكامل، ليلة الولي الكامل. ولكن ما الذي نفهمه من القرآن نفسه؟ بعد أن قال القرآن {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ثم بعد ذلك يقول {ليلة القدر خير من ألف شهر} ولم يقل ليلة القدر كانت خيراً من ألف شهر. والأهم من هذا هو إن {أنزلناه في ليلة القدر} جاء فيها الفعل بصيغة الماضي، ولكنه بعد ذلك يستعمل المضارع ليدل على الدوام والاستمرار، فيقول {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} أي إن الملائكة والروح ينزلون بأمر ربهم إلى الأرض، فهي ليلة لم ينقطع فيها الارتباط بين السماء والأرض، إنها ليلة الارتباط بين السماء والأرض، حيث لا ينزل ملك واحد أو اثنان، بل الملائكة والروح (ينزلون)، بصيغة المضارع وليس (نزلوا) بصيغة الماضي.
إن الذين لا يقولون باستمرارية ليلة القدر قليلون.

يقول الأئمة عليهم السلام إسألوا هؤلاء، عندما تنزل الملائكة والروح ليلة القدر، إلى أين تنزل؟ هل تنزل إلى الأرض، أم أنها تنزل على القلب؟ إن الملائكة تنزل على الإنسان، على قلبه، فينبغي أن يكون قلب الإنسان قلباً جديراً بنزول الملائكة عليه. إن النزول لا معنى لهغير هذا. فالقضية هي أن ليلة القدر ليلة الإنسان الكامل. ولكن لماذا تكون ليلة القدر في رمضان؟ في الإسلام، لا معنى لأن تكون ليلة القدر في غير رمضان.
إن للأنبياء وللأولياء، كالأئمة الأطهار والذين هم أعلى مرتبة من كثير من الأنبياء، مسائل تخص عالمهم القريب من الله، لا نستطيع نخن فهمها. فهذا موسى بعد أن يصبح نبيا، ويريد أن تنزل عليه الأرواح، يذهب إلى ميقات ربه أربعين يوماً. في الليالي الثلاثين الأول لا يستطيع إنهاء دورته السلوكية {..وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ..}(الأعراف/142). لقد كانت المدة المقررة ثلاثين ليلة، ولقد بذل موسى خلال تلك الليالي الثلاثين جهداً جيداً لكي يبلغ  مرحلة الجدارة النهائية، ولكنه لم يستطع. فأضيف إلى المدة عشر ليالٍ أخر. كانت الليالي الثلاتون قد بدأت في غرة شهر ذي القعدة إلى نهايته، ولما لم يستطع، أضيفت عشر ليال ابتداء من ذي الحجة حتى العاشر منه، حينئذ فتح قلب موسى، وحصل له ما كان ينبغي له. وقد حصل هذا كله بعد أن بعث بالنبوة.

إن لكل إنسان ولكل وليّ دورة واحدة في السنة، بل إن لكل إنسان ومؤمن وظيفته في أن يقيم الصلاة خمس مرات في اليوم، ولكن له شهر واحد للعبادة، والشهر المخصص للعبادة، للتطهير، للتوجه إلى الله، للسمو، هو شهر رمضان.
فشهر رمضان قد عين لهذا، ولهذا فهو أفضل أشهر السنة. لعل اليوم العاشر من ذي الحجة يعتبر في نظر موسى من أفضل الأيام، ولكن في نظر نبي الإسلام شهر رمضان هو الأفضل. وفي هذا الشهر يستفيد الإمام أضعاف ما نستفيد، إذا أنه يبدأ مسيرته من أول الشهر حتى يصل إلى ليلة هي ليلة القدر، وعندئذ نفتح له الأبواب، و{تنزل الملائكة والروح}.

أما آية ليلة من ليالي رمضان هي ليلة القدر، فإن الروايات لم تبين ذلك، وفي ذلك بعض التعمد. هل ليلة القدر هي الليلة التاسعة عشر؟ أم الليلة الحادية والعشرون؟ أم الليلة الثالثة والعشرون؟ أم أن بعض المسائل تتهيأ في الليلة التاسعة عشرة، ثم تبرم في الليلة الحادية والعشرين، ثم تصل مثلا، مرحلة التوقيع عليها في الليلة الثالثة والعشرين؟ وهناك احتمال آخر في عدم تعيين ليلة القدر، وذلك إن ليلة القدر في كل سنة تخص الإمام وتتعلق بحالته في تلك السنة فقد ينهي الإمام دورته السنوية في الليلة التاسعة عشرة فتنزل فيها الملائكة عليه. وقد ينهي دورته في الليلة الحادية والعشرين، أو في الليلة الثالثة والعشرين. أي إن الدورة لا تقل عن 19 يوما، وهي تنتهي في واحدة من هذه الليالي، وعندئذ هل يكون للإنسان الكامل يد في مقدرات العالم أو الناس؟

قليلون أولئك الذين يصدقون أن تكون روح هذا الجرم الصغير لوحاً للتقديرات الآلهية، إنما نحن لا نصدق، لأننا لا نعرف الإنسان، فلا نعرف إن لوح روح الإنسان الكامل هو لوح التقدير الإلهي، وإنه ههنا يتحقق النزول والتقدير.
وبناء على ذلك فإن ليلة القدر هي ليلة الإنسان الكامل، وأن القرآن قد نزل في تلك الليلة، وإن النبي كانت له ليلة قدر في كل سنة، وكذلك الإمام وأن الأرض لا تخلو أبدا من الإنسان الكامل، وإن السنة لا تخلو من ليلة القدر، وإن ليلة القدر لا تخرج عن شهر رمضان.

عرفنا إن ليلة القدر من ليالي رمضان، تلك الليلة التي تتصل فيها الأرض بالسماء، الملك بالملكوت، وبحسب تعبير القرآن تفتح أبواب السماء على الأرض، حتى تكاد تتحد الطبيعة وما وراء الطبيعة في كيان الإمام عن طريق وجوده، وهو وجود مادي ملكي، ووجود ما ورائي. وهذا ما يذكره القرآن بصورة إجمالية:

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}
والخطاب طبعاً للرسول هنا، وفي أماكن أخرى يخاطب الناس، إذ يقول أن البشر لا يدركون ما هي ليلة القدر. ترى ماذا في هذه الليلة يجعلها خيراً من ألف شهر؟ هل هي ثواب العبادة فيها؟ لم لا؟ لأننا عندما نقيم الصلاة نقول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(الفاتحة/5). فهنا تكون العبادة جماعية، وتكون أرفع مرتقى، وذلك لأن روح الإنسان تكون عند ذاك على استعداد أكبر، ولها حضور أقوى، حيث يكون جمع من الأطهار مشغولين بالعبادة في اللحظة نفسها. ولقد ثبت أن للمادة أمواجاً تصل إلى الطرف الآخر من الدنيا، فكيف بالأمواج الروحية التي لا يمكن إدراكها؟ فإذا كانت ليلة القدر ليلة يكون فيها الإمام في حالة العبادة وفي تهيج روحي يجعل أبواب السماء تفتح على الأرض، وإذا كان أفراد من أمثالنا يرغبون في مثل هذه العبادة، فإن فيض السعادة الذي نحسه في هذه الليلة يعدل ألف ليلة. أي إن الجو الذي يولد يكون جو العبادة. جو التسامي، جواً يناسب إحياء الليل. إن فضيلة هذه الليلة لتربوا على ألف من الأشهر العادية.

في الختام، نخلص من هذه الأقوال إلى أن القرآن يقول: إن القرآن قد نزل في ليلة القدر {وما أدراك ما ليلة القدر} وإن ليلة القدر أفضل من ألف شهر، أي إن الليالي لا تبلغ هذه الليلة. لماذا؟  ماذا حدث؟ لأن الملائكة والروح (الروح في القرآن حقيقة أرفع من الملائكة) ينزلون بأمر من ربهم.
ولكلمة "الأمر" في القرآن استعمالات: فالأمر قد يكون إرادة حصول شيئ، وعندئذ يكون أمر الله هو وجود الشيئ عينه. فإذا كان الأمر هنا هكذا، يكون النزول إيجاداً إلهيا. وأما إذا كان الأمر أمراً، فإنه يرتبط بكل شأن من شؤون العالم.
{سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }(القدر/5).
أي إن الليلة من أولها إل آخرها سلام وسلامة، والسلام هي التحية، وهي التي تلقيها الملائكة في الإياب وفي الذهاب. والسلامة هي لمن يريد في هذه الليلة أن يسلم من كل الآفات، ومن الوساوس، ومن كيد الشيطان.  


الأحد، 29 يناير 2012

تفسير سورة الإنشراح - الشهيد مطهري





بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح/1-8)


إن سورة الإنشراح المباركة، التي تخاطب شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تتألف من ثلاثة أقسام. القسم الأول: تذكير وامتنان، تذكير بألطاف الله وعناياته بالرسول الكريم نفسه. والقسم الثاني: نوع من التعلم، أي العناية وبيان علة من العلل. والقسم الثالث: استنتاج النتيجة. في سورة (الضحى) التي تأتي قبل سورة الإنشراح ثلاث آيات هي في سياق واحد مع الآيات الأربع  لسورة الإنشراح. تلك الآيات الثلاث هي:

{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}(الضحى/6-8).

أي تذكر ما تفضل به الله عليك من قبل. ثم تأتي الآيات:

 {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}(الضحى/9-11).

فكأن آية {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} معطوفة على {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} لذلك فإن بعض المفسرين من الشيعة والسنة، يدعون أن سورة الإنشراح وسورة الضحى سورة واحدة، لا سورتان منفصلتان. بل لقد ورد في بعض الروايات أنه في الصلاة الواجبة تجب قراءة سورة كاملة بعد سورة الفاتحة. أهل السنة لا يشترطون هذا الشرط، ويكتفون بجزء من سورة، حتى وإن كانت آية واحدة. ومن المألوف أن تشاهدوا أئمة صلاة الجماعة في المسجد الحرام أو في مسجد النبي، كثيرا ما يبدأون من منتصف إحدى السور، ويقرأون سبع آيات أو ثماني أو عشراً، وينتهون بها. أما في فقه الشيعة فتجب قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة. لذلك يحتاط الفقهاء في قراءة سورة الإنشراح وحدها؛ أو سورة الضحى وحدها. إلاّ أن هذا لا يرتبط بالتفسير ارتباطاً كبيراً.

{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}. إنني أوكد كلمة الشرح لكي نعرف معنى (شرح الصدر). لقد وردت هذه الكلمة في القرآن في صور مختلفة. من ذلك إن القرآن يقول عن موسى بن عمران إنه عندما بعث وقيل له: إنك رسول الله، إذهب إلى فرعون... كان أول طلب له من الله أن قال:

{..رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}(طه/25-34).

ونقرأ في مكان آخر:

{فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ... }(الأنعام/125).

كانت الآية الأولى تتعلق بشخص الرسول، وآية {رب اشرح لي صدري} طلب موسى. فموسى يطلب من ربه أن يشرح له صدره. فشرح الصدر لا يختص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأن موسى طلب الشيئ نفسه من الله، واستجاب له الله، فيكون واضحاً أن {شرح الصدر} ليس مما يقتصر على الأنبياء، فكل من اهتدى إلى الإسلام، وكل من أشرق نور الإسلام على قلبه، يكون قد {شرح صدره} في الوقع. فما هو شرح الصدر هذا؟ لا بد لنا أولاً أن نعرف معنى الصدر، ومعنى الشرح. كلمة الصدر، من حيث أصلها، تدل على التجويف الصدري، ولكن هل هذا هو المعنى المقصود في آية {ألم نشرح لك صدرك}؟ أو في آية {رب اشرح لي صدري}؟ أو في آية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}؟ فهل يعني هذا إن عملاً مادياً يجري في الصدر؟ من البديهي إن الأمر ليس كذلك، بل هو القلب قد جيئ به هنا من باب الكناية لما يختص به القلب الحقيقي، وهو روح الإنسان نفسه. فالمقصود لا يعني أن الله يشرح قلب الإنسان، بصرف النظر عن معنى كلمة {شرح}. إذن، فالصدر، مهما يكن، فالمقصود به شيئ روحي، شيئ معنوي، وليس شيئاً مادياً، جسمانياً.

والآن إلى معنى كلمة (شرح). يرى المفسرون عموماً أن (شرح الصدر) تعني "سعة الصدر". وهذا تعبير وارد في اللغة العربية، وقد ورد في الحديث: "آية الرياسة سعة الصدر"، فمن الواضح إن المقصود بسعة الصدر هو اتساعه وكبره، ولكن من الواضح هنا أيضاً إن القصد ليس القول بأن من كان صدره واسعاً كبير الحجم يكون متسماً بسعة الصدر، أو إذا كان المرء نحيفاً صغير الجسم يكون محروماً من "آية الرياسة".

سعة الصدر تعني كثير التحمل والصبر. فهي كناية عن قدرة المرء على التحمل والصبر. أي إذا أراد شخص أن يصبح رئيساً، كثير التعامل مع الناس، يدير شؤونهم، فعليه أن يكون واسع الصدر، قادراً على التحمل. فالشخص الذي لا يتسع صدره، السريع التأثر والتهيج، الثائر الأعصاب، لا يمكن أن يصبح مديراً ولا رئيساً، يدير جماعة من الناس، مهما يكن نوع هذه الإدارة، خذ مديراً لمدرسة، أو معلماً في الصف يدير التلاميذ، فإذا لم يتسم بسعة الصدر، لم يستطع إدارتهم. والرجل رب الأسرة إذا أراد أن يدير شؤون أسرته الداخلية، يلزمه أن يكون واسع الصدر. وكلما كان مجال إدارة الرجل أوسع، تطلب منه ذلك صدراً أوسع، وحلماً أكبر. وهذا هو على وجه العموم المعنى الذي يفسر به المفسرون هذه الكلمة، إذ يقولون إن الله قد منَّ بها على الرسول الكريم، فهو يذكره بهذه النعمة، نعمة الصبر الوافر، نعمة سعة الصدر.

ولكن يبدو أن بين "شرح الصدر" و "سعة الصدر" بعض اختلاف، فحيثما يكون "شرح الصدر" تكون "سعة الصدر". ولكن ما كل "سعة صدر" تشمل "شرح الصدر".
لم يكن القرآن قاصراً عن قول (ألم نوسع لك صدرك)، ولكنه لم يقل، بل قال: {ألم نشرح لك صدرك}. فما معنى الشرح؟ إنه هو هذا المعنى الدارج الآن. فقد يؤلف شخص ما كتاباً شديد التلخيص، بحيث لا يتمكن القارئ من إدراك كل الجزئيات التي يقصدها المؤلف، فينبري شخص آخر لشرح هذا الكتاب، كما لو كان يفتحه ويوسع ما بين معانيه، حتى إنه قد يشرح السطر الواحد في صفحة كاملة. وهذا عمل المتضلعين المتعمقين.

ألّف الخواجه نصير الدين الطوسي كتاباً بعنوان "تجريد الاعتقاد" يبحث في علم الكلام، ويتألف من قسمين: "تجريد المنطق" و"تجريد الاعتقاد"، والمؤلف رجل ضليع في نظريات علماء الكلام من جهة، وضليع كذلك في النظريات الفلسفية من جهة أخرى، وفضلا عن تمكنه من هذين الموضوعين فإن له نظرته الخاصة أيضاً.  ثم جاء بعده تلميذه، العلامة الحلي، الذي لا يقل عنه نبوغاً -وإن كان هذا أقرب إلى الفقه من اقتراب أستاذه إلى الفلسفة والرياضيات والعلوم الأخرى -فشرح كتاب أستاذه تحت عنوان "كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد"، وهو لم يسهب كثيراً في الشرح، إلا أنه ألقى الضوء لأول مرة على مضامين الكتاب، فقد كان العلامة الحلي من العرب، والطوسي من الإيرانيين.

ثم جاء أناس كثيرون بعد ذلك حتى اليوم، بعد أن مضى على تأليف "تجريد الإعتقاد" أكثر من سبعة قرون، وعلى الأخص إلى ما قبل ثلاثة قرون أو أربعة؛ أي قبل مجيئ مير داماد وملاّ صدرا، فحاولوا جمع ما تناثر من أفكار الخواجة الطوسي، وكتبوا له الشروح العديدة، والحواشي على الحواشي بحيث أننا قلما نجد كتاباً في دنيا الإسلام أثير حوله هذا القدر من الكلام. فكلما ظهر عالم أخذ يبحث في هذا الكتاب، ولعل عدد الذين كتبوا له الشروح والتعليقات والحواشي يبلغ المئة. كان هؤلاء يقولون إنه لولا قيام هذا العربي الشيعي "ويقصدون العلامة الحلي" بشرح كتاب "تجريد الاعتقاد"، بعد أن شرحه علماء السنة أيضاً، لما عرفنا إلى أين تقصد القافلة بنا. ويطلق على هذا العمل كله إسم الشرح.

وأحياناً نرى بيتاً من الشعر يستغرق كتاباً لشرحه، ولكن لا كل الشعر، إذ ليس كل شاعر قادراً على قول بيت من الشعر يحتاج لشرحه إلى كتاب، إلا أن أمثال هؤلاء الشعراء موجودون، مثل مولوي وحافظ، فهؤلاء أناس واسعوا الاطلاع متمكنون من آداب زمانهم، يجمعون في أيديهم زمام القول والبيان. خذوا حافظاً مثلا. لكَم لاحظتم أن العديد من العلماء الأعلام بحثوا في بيت واحد من شعره، وكتبوا المقالات الطوال يشرحونه بها. كذلك كتبت فصول حول بعض أشعار مولوي، ونشرت بحوث عنها، يشرحون فيها مقاصد الشاعر.

حيرت اَنْدَر حِيرت آمد در قِصَصْ

                                        بيهوشي خاصكان اندر أخص

عقل اول راند بر عقل دُوُمْ

                                        ماهي از كُندِه كردد، ني زدم

أو ربما قيل "ماهي از سر كندِه كردد، ني زدم"، فأيهما الصحيح؟ ثم ماهو المقصود؟ هذا كله شرح. إن القضية، لغوياً، تشبه عمل الجزار حين تناوله قطعة لحم ليشرّحها، وإذا به يُعمل سكينة فيها تقطيعاً وتشريحاً، ويجعل منها شرائح خفيفة، بحيث أنها تكاد تكفي لتغطية أرض الغرفة، أي أخذ شيئ مشدود ومضغوط ومتراص، لكي نفتحه ونشرحه. إن مسألة {شرح الصدر} مسألة روحية ونفسية. وما من شيئ في العالم أحوج إلى الشرح من روح الإنسان.

أتزعم أنك جرم صغير                       وفيك انطوى العالم الأكبر

فخطاب الله إلى رسوله بأنه قد شرح له صدره لا يعني إنّه وسّعه.

نحن نقول إن الدار صغيرة، ومساحتها 100متر، ثم نشترى مئة متر أخرى تضيفها إليها، ونقول إنك قد وسعت دارك. على كل حال، حيثما وجد الشرح وجدت التوسعة أيضاً، و لا يلزم أن يكون الشرح حيثما تكون التوسعة. فهو لا يريد أن يقول إننا وهبنا روحك سعة الصدر، بمثلما يوسع المرء داره، أو أننا زدنا في سعة هذا الأناء، إنما القول يدور على أننا فتحنا هذا الإناء الكبير جداً بعضه عن بعض، فتحنا لك صفحات كتاب الروح المتراصة بعضها فوق بعض. و لكن هل في شرح الصدر سعادة للانسان أم لا؟لذلك تقول الآية:

{فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ..}(الأنعام/125). أي إذا أراد الله أن يهدي امرءاً فانه يفتح صدره للاسلام، لحقائق الاسلام. وفي الحقيقة إن الآية {ألم نشرح لك صدرك} تعني "ألم نشرح لك صدرك للتوحيد" و"ألم نشرح لك صدرك للاسلام"، إذ ربما يكون صدر أحدهم قد فتح للكفر، وقد تجد إنساناً جاهلاً لم يشرح صدره لا للإسلام ولا لغير الإسلام، ولا للكفر. الويل لمن يشرح صدره، ويثار فيه نوع من الغليان الروحي والمعنوي، للكفر. أو أهل يمكن أن تكون للمرء سعة صدر في الكفر؟ أجل يمكن. أي أن رأس المال هذا يمكن أن يستثمر في هذا الاتجاه. لقد قرأت في إحدى الصحف أن تيمور تاش قال إنه قد أخبر الميرزا طاهر تنكابني بأنه قد وجد سبعين دليلاً على عدم وجود الله! وأن الميرزا قد أجابه بأنه أيضاً لديه دليل واحد على عدم وجوده، في الوقت الحاضر. فقال له: قل ما هو دليلك؟ فقال: دليلي هو أنك ما تزال موجوداً. فلو كان الله موجوداً لصفي حسابه معك. ولكن لم يمض وقت طويل حتى سقط هذا الرجل وسجن، وانقطع رجاؤه في كل شيئ.


لاحظوا هؤلاء الذين يقولون أن لديهم الدليل، إنما الذي لديهم كله غرور! هذا الشخص نفسه كان متزوجاً من افرنجية، فكان يسمح لها بالحضور. ثم وصل به الأمر إلى أن يقول لها إن في جنوب المدينة رجلاً يكتب الأدعية، فاذهبي اليه وأتيني منه بأحد الأدعية. هذا هو نفسه الذي كان يقول إن لديه سبعين دليلاً على عدم وجود الله، و لكنه أخذ فيما بعد يبحث عمن يكتب له الدعوات. هذا شرح الصدر للكفر.

والفخر الرازي. أنا بالطبع لا أريد ان أتجاسر فأضعه في مصاف أشخاص من هذا القبيل، ولكنه مع ذلك لم يكن من رجال الحقيقة حقاً. من ذلك مثلا إنه قد قام بالشرح أيضا، و أي شرح! فهو عندما يتناول موضوعاً، مهما يكن، في علم الكلام، أو الفلسفة، أو التفسير؛ يأخذ بتفكيكه. ففي التفسير، قام بتفسير إحدى الآيات، وذكر أن لهذه الآية عشرين وجهاً، وراح يسردها واحداً فواحداً، الأمر الذي لم يخطر حتى للجن. ثم هو عندما يصل إلى مرحلة الاختيار، يكون كمن جاءته ضربة من الله، إذ أنه يورد نظريات تضحك الثكلى.

إن هذا الشخص قد شرح صدره، ولكنه لم يكن مصحوباً بهداية من الله، ولم يكن "على نور من ربه". إن الإنسان العادي لقادر على أن يرى الحقيقة من الوهلة الأولى، بغير أن يجول بنظره فيما حوله. ولكن هذا وجد نفسه في مفترق أربعين طريقاً، فأخذ يذهب هنا، ويذهب هناك، ولكنه في النهاية لم يمش في الطريق الذي ينبغي له، بل دخل متاهة مضلّة، وليس كذاك الذي ذهب إلى نجم الدين كبرى، وكان من الفضلاء، وقال له إنه يحس أن ما عنده ليس من العلم في شيئ، إنه تخيل وأفكار "إن قدرتي على التخيل كبيرة. أحس أنني لم أصل إلى الحقيقة".

ولهذا الرجل شعر كثير في ذلك. ثم طلب من نجم الدين، قائلا: "أريدك أن تفعل شيئاً من أجلي، أن تصحح ما عندي، أن تعطيني حقيقة جديدة" فقال له نجم الدين: "سأفعل، ولكن على شرط واحد، وهو أن تزيح عن صدرك هذه الأصنام، وأن تنساها" فقال: "رضيت"، فقال له نجم الدين: "أواثق أنت من نفسك؟" فقال: نعم. أستطيع ذلك". ولكنه عندما جد الجد قال: لا طاقة لي على ذلك. ولهذا نقرأ في القرآن هذه الآية:

{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النحل/106).


وعليه، فإن شرح الصدر غير سعة الصدر. شرح الصدر هو إن الله يفتح روح الإنسان المتضامّة على بعضها، ويلقي بنوره فيها. وهذا هوشرح الصدر للإسلام، وهو شرح صدر إلهي، حتى أنه أجرى على لسان شخص أمي أجلَّ الحكم وأعظمها:

"من أخلصَ لله أربعينَ صباحاً جرت ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه".

فقوله تعالى:

{ألم نشرح لك صدرك} يعني: ألم نفتح لك قلبك حتى فاضت منه الحكمة والحقيقة والعلوم؟

يقول بعضهم إن لرسول الله حديثاً قال فيه إنه طلب من الله شيئاً ثم ندم عليه بعد ذلك، وتمنى لو لم يطلبه. وكان الطلب يتعلق ببعض ما وهب الله لأنبيائه السابقين، وبتلك التي وهبها له، فنزلت هذه السورة: {ألم نشرح لك صدرك} وهذا في الحقيقة بيان لنعمة شرح الصدر وانفتاحه، فيفوز فيه العلم والحكمة.

{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}(الشرح/2).

أي أننا رفعنا عنك الحمل الذي يثقل عليك. وهذه نعمة الله الثانية. فما هو الحمل الثقيل هذا؟ إذا ما وضعنا سورة الإنشراح إلى جانب تلك الآيات التي خاطب بها موسى ربه نجد أنها تصدق بعضها بعضا. لقد قال موسى عليه السلام: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} و {يَسِّرْ لِي أَمْرِي} أي اجعل مهمتي سهلة. فما هي مهمة موسى؟ مهمته الدعوة، دعوة الناس وهدايتهم، وهي مهمة صعبة.

{ويَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} أي اجعل كلامي يسيراً، يفهم الناس منه قصدي، أي إنهم إذا فهموني وأدركوا ماذا أقول وإلى أين أريد أن أقودهم، فهذا يكفي.

 {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} فما معنى الوزير؟ لقد استعملت هذه الكلمة مع الملوك استعمالاً كثيراً جعل معناها يقتصر على السائر خلف الملك والممتثل لأوامره. إلا أن معنى الكلمة غير ذلك. إن معناها المعين، أي الذي يعين غيره على رفع حمل ثقيل. أنتم أيضاً لو أتيتم في محل عملكم بمن يساعدكم على تخفيف أعباء العمل عن كواهلكم، يكون هذا وزيراً لكم. وهذا هو المعنى نفسه الذي وصف به الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام باعتباره وزيراً له، أي إنه يساعده في حمل العبء الثقيل، ولذلك قال في حقه:

 "علي وزيري، ووَصيي، وَقاضي ديني".

كلمة "الوزير" مأخوذة من "الوزر"، والوزر هو الحمل الثقيل، والزير هو الذي يساعد على رفع الحمل الثقيل.

والوزر، باعتبارها تعني الحمل الثقيل، تستعمل للدلالة على الإثم أيضاً، لأن الإثم كالحمل الثقيل على الإنسان. ولقد سبق أن قلنا مرارا إن من صفات الإثم أنه يثقل روح الإنسان، أي إنه يستفرغ قوة الإنسان وطاقته، فإذا مشى فكأنه يحمل ثقلاً على كاهله، بخلاف طاعة الله، فهذه تمنح القوة.

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}(البقرة/45).

إن من مميزات عمل الخير أنه يمنح القوة، فالذي يفعل الخير يحس كأنه قد تغذى تغذية جيدة، أو أنه قد زرقت فيه عقاقير مقوية. أما في حالة ارتكابه الإثم، فيحس كأن حملا يثقل كاهله، ويشعر بالرهق حتى في السير العادي.

فإذا أطلقت كلمة "وزر" على الإثم، فذاك لأن الإثم حمل ثقيل، الحمل الثقيل الذي كان بعهدته، رسالته إلى الناس، ودعوتهم، وهدايتهم. إذا أراد أحد أن يهدي الناس حقاً، فليس أثقل منه من عبء. فإذا قال الله للرسول: {ووضعنا عنك وزرك} بعليّ، فذلك هو الحق الواقع. أي إننا خففنا عنك هذا العبء بهذا الرجل الذي هو منك بمنزلة هارون من موسى، فبه رفعنا عنك الحمل. أو لم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى". وهذا من الأحاديث المتواترة عن الشيعة والسنة.

فقد روي أن النبي كان يصحب علياً في كل حرب يخوضها ضد المشركين، ولكنه عندما عزم على التوجه إلى حرب تبوك، لم يأخذ علياً معه، وذلك لأنها لم تكن حرباً فعلية، بل كانت حرباً استعراضية، لإظهار قوة المسلمين وشوكتهم أمام شمال جزيرة العرب في سورية. فذهبوا وعادوا، وكان النبي قد أبقى علياً بمكانه في المدينة، فأظهر علي إنه كان يفضل لو ذهب معه، فقال الرسول: "يا علي ألا تحب أن تكون خليفتي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى" باختلاف واحد، هو "ألا أنه لا نبي بعدي". وهذا يعني إن هارون كان نبياً، إذ أنه كان بمقدوره أن يكون نبياً بعد موسى. ولكنك لا تكون نبياً لأنه لا نبي بعدي، فكل ما بيني وبينك من روابط هي ما كانت بين موسى وهارون. فعليّ وزير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

عندما أعلن النبي دعوته كان الأمر صعباً، ثم بعد ذلك، في المدينة، عندما أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، خف الأمر، وأزيح الثقل عن كاهل الرسول. كانت مهمته قد انتهت.
{ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك }.

أي ذلك الحمل الذي أخرج الأصوات من عظام ظهرك بمثلها يضع امرؤ ثقلاً على سقف خشبي، فيصدر الصوت من الخشب حتى يكاد ينكسر. يريد الله أن يقول ان الحمل كان من الثقل بحيث إن عظام ظهرك أخذت تفرقع، فأزحنا عنك هذا الثقل، وكنت موفقا.

{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.

لقد أنزلنا حملك، ولكننا رفعنا اسمك، وجعلنا صوتك يعلو، وقرنّا اسمك باسم الله، فعندما ينادي المنادي: أشهد ألاّ إله إلاّ الله، يتلوه مباشرة:

أشهد أن محمد رسول الله.

إلى هنا تتناول الآيات النعم الالهية، ثم يبينها بصورة فلسفية. الى هذا الحد كانت الآيات شخصية:

كنت كذا، و فعلنا كذا. ثم يضع الموضوع في صيغة فلسفية، ليصل منها الى النتيجة.
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
المعنى الكلي هو أن الصعوبة تأتي ومعها السهولة، والسهولة في الصعوبه. وتشير الآيتان إلى مهمة النبي: كم كانت صعبة في البداية، وكم كان حملك ثقيلا حتى فرقعت عظام ظهرك. وكان العدو يسعى لأن يمحو اسمك محواً، فصار العكس. هذا هو قانون الله.

{فان مع العسر يسراً} مع الصعوبة سهولة، وإن الصعوبة تليها السهولة، نهاية ظلام الليل صباح أبيض، ولكن ماذا يعبر القرآن عن ذلك بقوله إن الصعوبة مع السهولة؟ المقصود هو القول أن ليس هناك تعاقب، أي ليس هناك أمر صعب، ثم يعقبه أمر سهل بالتناوب، ليس الأمر كذلك، بل إن السهولة وليدة الصعوبة، والصعوبة أم السهولة، أي إنكم إذا أردتم بلوغ اليسر والرفاه، والسعادة، فلا يتاح لكم ذلك ما لم تعبروا طريق الشدائد. إنه لتعبير عجيب، وهي كلية عجيبة. فعلى الرغم من أن البداية تخص شخص الرسول، والنعم التي أنعم الله بها عليه، شرح صدره، ورفع عنه الثقل، ورفع اسمه، ولكن على أي قانون؟ أعمال الله كلها تجري على وفق القوانين والسنن، فما هذه القوانين والسنن؟

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}

هذا هو القانون. ونقرأ في سورة السجدة:

{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(السجدة/24).

أي إننا عيّنا منهم قادة يرشدون الناس بأمرنا. لماذا؟ لأنهم صبروا في الشدائد، وآمنوا بآياتنا. الإيمان مع العمل في الشدائد.

وقد ورد هذا أيضاً في آيات أخرى مثل سورة آل عمران:

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ*وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران/148:146).

أي: كم في طول التاريخ من أناس إلهيين، يعبدون الله، وكم من أنبياء قاتل أولئك معهم في سبيل الله {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله} أي كم تحملوا من الشدائد، ولكنهم لم يستول عليهم الوهن  {وَمَا ضَعُفُوا} وظلت معنوياتهم عالية، {وَمَا اسْتَكَانُوا} لم يظهروا الجزع والخضوع والذل، ولم تتحطم نفوسهم، ولم يتزلزل إيمانهم، بل لجأوا إلى الله، واستعانوا به، ولم يقولوا شيئاً سوى الطلب من الله أن يملأهم صبراً واستقامة في سبيله، وأن ينصرهم على الكفار. ولذلك، ولما تحملوا من المحن {فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران/148).

في إحدى خطب أمير المؤمنين في نهج البلاغة، يلوم أصحابه على أن الناس أخذت تظهر عليهم حالة من الكسل والتهاون.

ولكننا نحن أصحاب عليّ، ونحن أعوانه، أو ليس علي صهر الرسول؟ أو ليس وصيه؟ أو ليس خليفته بالحق؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلابد أن ننتصر على جيش معاوية. نعم، ما دمنا من أتباع علي، وجب أن ننتصر على جيش معاوية.

ولكن عليّاً كان يقول: ليس الأمر كذلك إذ ليس من سنة الله أننا بايعنا عليّاً حتى وجب أن ننتصر، وذلك لأننا، على الرغم من أننا بايعنا محمداً وآمنا به، فإن الله لم يمن علينا بالنصر بهذه السهولة: " لقد كنا مع رسول الله نقتل آباءنا وأعمامنا إذا وقف في طريقنا أحد منهم. ولكن تحملنا المشاق والشدائد، ولكم صادف أن قابلنا العدو وجهاً لوجه في ميادين الحرب، فتصارعنا كبعيرين، فنغلب حيناً، ونُغلب حيناً. فلم يكن الأمر كما تظنون، بأننا لكوننا نسير في ركاب الرسول، ما أن نجرد سيوفنا حتى يفني الأعداء جميعاً. ولكننا خرجنا من بوتقة الإمتحان بنية صادقة".

ويضيف الإمام عليّ قائلاً: لقد ظهرت نيتنا الصادقة في أعمالنا، لا في الإدلاء بالشهادتين. وعندئذٍ أيدنا الله بنصر من عنده. وهذا هو معنى الآية {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} فيا أيها الرسول لقد عانيت كثيراً، وها هي ثمرات العناء.

ثم نأتي إلى أمر عجيب آخر:

{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ}.

هل يعني هذا أنك بعد أن فرغت من ذلك،ورفع الثقل عن كاهلك، اذهب ونم مستريحا؟ لئن فعلت ذلك، فأنت قد جلبت على نفسك سوء الحظ، إذ أن سوء الحظ يأتي من التعود على النوم الاستراحة والرفاهية، وما من أمر أشد عداءً للإنسان من الرفاهية. {فإذا فرغت فانصب} إذا فرغت من كل ذلك، فالقِ بنفسك في التعب والنصب، ابحث عن الشدائد، ولا تعوِّد نفسك على الراحة.
لنفرض أن رجل الله لم يجد أمامه من المشاكل الاجتماعية ما يشتغل بها، فهل زالت عنه شدائد العبادة؟ عندما لم يكن للنبي من المشاكل الاجتماعية ما يشغله، فهل زالت يقضي الليل في النوم حتى الصباح؟ كلا. ما كان ليستريح. {فإذا فرغت فانصب} إلقِ بنفسك في المتاعب الحقة، ولا تركن إلى الراحة فهي عدو الإنسان.
{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}.




المد و الجزر - الشهيد مرتضى مطهري


لا شك إنكم قد سمعتم بالمد و الجزر في البحر . فالبحر في مد وجزر مستمرَّيْن ، وعندما يصيب المد هذا الجانب يحدث مثله في الجانب الأخر ، ولقد ثبت منذ القديم أنَّ للقمر تأثيراً في المد والجزر . وإنَّ البحر دائم الهيجان ودائم المد والجزر ، تمتد من هنا وتجزر من هناك . إنَّ روح الإنسان ، وبالتالي المجتمع الإنساني ، فيه هذه الحالة من المد والجزر الموجودة في البحر ، فروح الإنسان في مد وجزر دائمين ، ينجذب من هنا ومن هناك ، وكذلك الأمر في المجتمعات ، فمرة تنجذب إلى هذا الجانب ، ومرة إلى ذلك الجانب . طبيعي أنَّ المجتمع قد ينجذب بفعل الأفراد أو بفعل أحداث أخرى ، إلا أنَّ الانجذابات الأرضية الحيوانية ، بل إنَّ القيم الإنسانية عند الإنسان كذلك أيضا ، فانتم قد تشاهدون أشخاصا يتمسكون حقا بالقيم الإنسانية ، إلا أن إحدى هذه القيم تتمدد فيهم ويكبر حجمها حتى تنسى جميع القيم الأخرى . فهؤلاء أشبه بذاك الذي تنمو فيه إذنه فقط ، أو أنفه فقط . إنَّ اغلب الانحرافات في المجتمعات ناشئ من عدم الانسجام والتناسب إنَّ المجتمع لن ينحرف  مائة بالمائة عن طريق الباطل ، بل الأغلب أنْ ينحرف المجتمع بسبب الإفراط في حق من الحقوق . فمثلا إن واحدة من القيم الإنسانية التي يؤيدها الإسلام مائة بالمائة هي العبادة والعبادة هي ذكر الله ، والعبادة بمعناها الخاص . ففي الإسلام كل ما يفعله الإنسان لله عبادة .

فعندما يخرج للتكسب بهدف سد حاجته وحاجة عياله ، وخدمة مجتمعة ، يكون قائماً بالعبادة بالمعنى الخاص ، كالخلوة مع الله ، والصلاة والدعاء والمناجاة والتهجد ، وهذه أجزاء من متون الإسلام ولا يمكن حذفها من الإسلام . هذا بذاته قيمة من القيم الحقيقية ، ولكن إذا لم تراقب وتوضع لها الحدود فقد ينجذب المجتمع إلى هذه القيمة فحسب ، وعندئذ لا يكون الإسلام إلا عبادة ، ويصبح فقط الذهاب إلى المسجد ، وإقامة الصلوات المستحبة ، والدعاء ، والتعقيبات ، وأداء الاغسال المستحبة ، وقراءة القرآن ، أي الاتجاه إلى أمور إذا أفرط المجتمع في السير فيها ، لانمحت كل القيم الأخرى من المجتمع ، كالذي رأينا أنّه حدث في تاريخ الإسلام حيث ظهر مد من هذا القبيل في المجتمع الإسلامي ، كما أننا نلاحظ أفراد سليمي النية ولا يمكن اتهامهم بشيء . ولكنهم واقعون على هذا الطريق ، ومن يقع في هذا الطريق لا يمكنه إن يحتفظ بتعادله ، ولا يستطيع أن يقول : إنني إنسان وأن الله قد خلقني إنساناً ولم يخلقني ملكاً ، فلو كنت ملكاً لكان علي أن اذهب إلى الطرف الآخر . على الإنسان أنْ ينمي في نفسه أفكاراً مختلفة وإن ينميها في تجانس وتناسب .
قيل للنبي الكريم أن بعضا من أصحابك قد غرقوا في العبادة . فغضب النبي (ص) وجاء المسجد ونادى في الناس وقال إنه سمع إن فيهم من يوصل الليل بالنهار عبادة مع إنه وهو نبيهم لا يفعل هكذا بل يستريح بعض الليل ، وينام ، وينظر عياله ويقارب زوجته ، ولا يصوم الأيام كلها ، بل يصوم في بعض ويفطر في بعض . وقال إن أولئك خارجون عن سنته .

عندما يرى النبي (ص) إن إحدى القيم الإسلامية تغطي على القيم الأخرى ، أي أن المجتمع الإسلامي قد أصيب بالمد إلى ناحية واحدة ، فإنه يحارب ذلك شديداً .
كان لعمر بن العاص ولدان ، عبد الله ومحمد . كان محمد أقرب إلى طراز أبيه للدنيا وللرئاسة ، بينما كان عبد الله تقيا نجيبا . عندما كان يستشيرهما أبوهما ، كان عبد الله يدعو أباه للالتحاق بعلي (ع) ، وكان الآخر يمنعه من ذلك قائلا أنه لن يجد خيراً مع علي ، ويحثه على الالتحاق بمعاوية . وكان المعروف عن عبد الله إنه يميل إلى العبادة . وقد التقاه النبي (ص) مرة وقال له : سمعت إنك تحتي الليل بالعبادة حتى الصباح ، وتصوم نهارك . فقال : نعم يا رسول الله ، إني كذلك فقال رسول الله : ولكني لست كذلك ولا ارتضيه ، ولا يصح .

قد ينحرف مجتمع ما نحو الزهد ، والزهد حقيقة واقعة غير قابلة للإنكار . ولكن الزهد قيمة من القيم لها آثارها وفوائدها ، وإنَّه لمن الممتنع المستحيل أنْ يرى مجتمع وجه السعادة ، أو في الأقل يمتنع أن نعد مجتمعا من المجتمعات إسلاميا بغير أنْ يكون عنصر الزهد موجودا في تلك المجتمع . ولكن قد يحدث أََنْ يجر هذا العنصر المجتمع نحوه ، ويصبح كل شيء زهداً ، ولا شيء غير الزهد .
من القيم الأخرى خدمة الناس ، وهي من القيم الإنسانية الثابتة والإسلام يؤيدها مائة بالمائة والحقيقة إنَّ هذه من افضل القيم الإنسانية ولكم أكد الرسول الكريم عليها ، وما أكثر ما يحث عليها القرآن وعلى التعاون ومديد المساعدة للناس .
{ لَيْسَ     البِرَّ أن تُوَلًّوا وُجوهَكُمْ قِبَلَ المشرقِ والْمَغْرِبِ ولكنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بالله واليَوْمِ الآخِرِ والملاِئكَة والكِتَابِ والنبيينَ وآتى المالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِيِ القُربى واليَتامى والمسَاكِينَ وابنَ السَّبِيلِ والسَّائِلينَ وَفي الرِّقابِ ...} سورة البقرة الآية 177 .

وهذه من القيم غير القابلة للإنكار . ولكن قد يبالغ المرء فيعتبر ، كما يقول سعدي ، أن " العبادة ليست سوى خدمة الناس " وإن لا عبادة غير ذلك ، ويلغي باعتباره هذا القيم الأخرى ، فينكر العبادات الأخرى في الزهد ، وفي العلم ، وفي الجهاد ، وينكر كل تلك القيم الرفيعة العظيمة في الإسلام ، ولا يعترف إلا بقيمة واحدة وعبادة واحدة هي خدمة خلق الله .
واليوم يرى بعض المتنورين ، خصوصا ، إنه قد اكتشف منطقا ساميا جدا ، وأطلقوا على ذلك المنطق الرفيع اسم الإنسانية وحب البشر . فما معنى حب البشر ؟ أَنْ تخدم الناس أمر حسن جدا ، فلنخدم الناس ، بصرف النظر عمن يكونون . إنما نحن نخدم الناس فقط . خدمة خلق الله لا بد منها ، بغير تمييز . حسن ، لنفرض إننا قد ملأنا بطون خلق الله وكسونا أبدانهم ، إلا أننا نكون قد خدمنا حيوانا ، إذا أننا إذا لم نعترف لهم بمقام أعلى ، ونحصر كل القيم في خدمة خلق الله ، بغير أنْ تكون فينا قيمة من القيم ، ولا أنْ تكون في الآخرين قيمة من القيم فإن جميع خلق الله لا يزيدون على قطيع من الأغنام أو من الخيل . صحيح إننا ملأنا بطونهم وكسوناهم ولكن الهدف الأعلى للبطون هو أن تمتلئ ، مع بقاء الحيوانية على حالها ، و أنا  أيضا يكون الحد الأعلى لخدمتي هو أن اخدم حيوانا مثلي ، وتكون الأهداف العليا لأمثالي من الحيوانات هي أن تخدم حيوانات أخرى مثلبي ، لا خدمة الإنسان الذي يتصف بالإنسانية , فإذا كانت خدمة خلق الله لا تتجاوز هذا الحد ، بصرف النظر عن نوعية هذا الخلق ما دام من خلق الله ، وبغير تمييز بين أن أخدم أبا ذر أو أن أخدم معاوية ، وإذا لم يكن لخلق الله غير هذه المنزلة ، فهذا أيضا ضرب من الإفراط .

أو خذ الحرية مثلا . فالحرية واحدة من أعظم القيم الإنسانية وأرفعها ، أو قل إنها من القيم المعنوية ، أي من القيم التي تعلو على حدود حيوانية الإنسان . الحرية للإنسان أرفع بكثير من القيم المادية . إنَّ الإنسان الذي سبق أنْ شم رائحة الإنسانية ليرتضي العيش جائعاً وعارياً ويتحمل اشق ظروف الحياة على إن لا يكون أسير شخص آخر ، ولا يقع تحت حكم إنسان آخر ، بل إن يعيش حراً.