الأحد، 29 يناير 2012

تفسير سورة الإنشراح - الشهيد مطهري





بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}(الشرح/1-8)


إن سورة الإنشراح المباركة، التي تخاطب شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تتألف من ثلاثة أقسام. القسم الأول: تذكير وامتنان، تذكير بألطاف الله وعناياته بالرسول الكريم نفسه. والقسم الثاني: نوع من التعلم، أي العناية وبيان علة من العلل. والقسم الثالث: استنتاج النتيجة. في سورة (الضحى) التي تأتي قبل سورة الإنشراح ثلاث آيات هي في سياق واحد مع الآيات الأربع  لسورة الإنشراح. تلك الآيات الثلاث هي:

{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}(الضحى/6-8).

أي تذكر ما تفضل به الله عليك من قبل. ثم تأتي الآيات:

 {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}(الضحى/9-11).

فكأن آية {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} معطوفة على {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} لذلك فإن بعض المفسرين من الشيعة والسنة، يدعون أن سورة الإنشراح وسورة الضحى سورة واحدة، لا سورتان منفصلتان. بل لقد ورد في بعض الروايات أنه في الصلاة الواجبة تجب قراءة سورة كاملة بعد سورة الفاتحة. أهل السنة لا يشترطون هذا الشرط، ويكتفون بجزء من سورة، حتى وإن كانت آية واحدة. ومن المألوف أن تشاهدوا أئمة صلاة الجماعة في المسجد الحرام أو في مسجد النبي، كثيرا ما يبدأون من منتصف إحدى السور، ويقرأون سبع آيات أو ثماني أو عشراً، وينتهون بها. أما في فقه الشيعة فتجب قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة. لذلك يحتاط الفقهاء في قراءة سورة الإنشراح وحدها؛ أو سورة الضحى وحدها. إلاّ أن هذا لا يرتبط بالتفسير ارتباطاً كبيراً.

{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}. إنني أوكد كلمة الشرح لكي نعرف معنى (شرح الصدر). لقد وردت هذه الكلمة في القرآن في صور مختلفة. من ذلك إن القرآن يقول عن موسى بن عمران إنه عندما بعث وقيل له: إنك رسول الله، إذهب إلى فرعون... كان أول طلب له من الله أن قال:

{..رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}(طه/25-34).

ونقرأ في مكان آخر:

{فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ... }(الأنعام/125).

كانت الآية الأولى تتعلق بشخص الرسول، وآية {رب اشرح لي صدري} طلب موسى. فموسى يطلب من ربه أن يشرح له صدره. فشرح الصدر لا يختص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأن موسى طلب الشيئ نفسه من الله، واستجاب له الله، فيكون واضحاً أن {شرح الصدر} ليس مما يقتصر على الأنبياء، فكل من اهتدى إلى الإسلام، وكل من أشرق نور الإسلام على قلبه، يكون قد {شرح صدره} في الوقع. فما هو شرح الصدر هذا؟ لا بد لنا أولاً أن نعرف معنى الصدر، ومعنى الشرح. كلمة الصدر، من حيث أصلها، تدل على التجويف الصدري، ولكن هل هذا هو المعنى المقصود في آية {ألم نشرح لك صدرك}؟ أو في آية {رب اشرح لي صدري}؟ أو في آية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}؟ فهل يعني هذا إن عملاً مادياً يجري في الصدر؟ من البديهي إن الأمر ليس كذلك، بل هو القلب قد جيئ به هنا من باب الكناية لما يختص به القلب الحقيقي، وهو روح الإنسان نفسه. فالمقصود لا يعني أن الله يشرح قلب الإنسان، بصرف النظر عن معنى كلمة {شرح}. إذن، فالصدر، مهما يكن، فالمقصود به شيئ روحي، شيئ معنوي، وليس شيئاً مادياً، جسمانياً.

والآن إلى معنى كلمة (شرح). يرى المفسرون عموماً أن (شرح الصدر) تعني "سعة الصدر". وهذا تعبير وارد في اللغة العربية، وقد ورد في الحديث: "آية الرياسة سعة الصدر"، فمن الواضح إن المقصود بسعة الصدر هو اتساعه وكبره، ولكن من الواضح هنا أيضاً إن القصد ليس القول بأن من كان صدره واسعاً كبير الحجم يكون متسماً بسعة الصدر، أو إذا كان المرء نحيفاً صغير الجسم يكون محروماً من "آية الرياسة".

سعة الصدر تعني كثير التحمل والصبر. فهي كناية عن قدرة المرء على التحمل والصبر. أي إذا أراد شخص أن يصبح رئيساً، كثير التعامل مع الناس، يدير شؤونهم، فعليه أن يكون واسع الصدر، قادراً على التحمل. فالشخص الذي لا يتسع صدره، السريع التأثر والتهيج، الثائر الأعصاب، لا يمكن أن يصبح مديراً ولا رئيساً، يدير جماعة من الناس، مهما يكن نوع هذه الإدارة، خذ مديراً لمدرسة، أو معلماً في الصف يدير التلاميذ، فإذا لم يتسم بسعة الصدر، لم يستطع إدارتهم. والرجل رب الأسرة إذا أراد أن يدير شؤون أسرته الداخلية، يلزمه أن يكون واسع الصدر. وكلما كان مجال إدارة الرجل أوسع، تطلب منه ذلك صدراً أوسع، وحلماً أكبر. وهذا هو على وجه العموم المعنى الذي يفسر به المفسرون هذه الكلمة، إذ يقولون إن الله قد منَّ بها على الرسول الكريم، فهو يذكره بهذه النعمة، نعمة الصبر الوافر، نعمة سعة الصدر.

ولكن يبدو أن بين "شرح الصدر" و "سعة الصدر" بعض اختلاف، فحيثما يكون "شرح الصدر" تكون "سعة الصدر". ولكن ما كل "سعة صدر" تشمل "شرح الصدر".
لم يكن القرآن قاصراً عن قول (ألم نوسع لك صدرك)، ولكنه لم يقل، بل قال: {ألم نشرح لك صدرك}. فما معنى الشرح؟ إنه هو هذا المعنى الدارج الآن. فقد يؤلف شخص ما كتاباً شديد التلخيص، بحيث لا يتمكن القارئ من إدراك كل الجزئيات التي يقصدها المؤلف، فينبري شخص آخر لشرح هذا الكتاب، كما لو كان يفتحه ويوسع ما بين معانيه، حتى إنه قد يشرح السطر الواحد في صفحة كاملة. وهذا عمل المتضلعين المتعمقين.

ألّف الخواجه نصير الدين الطوسي كتاباً بعنوان "تجريد الاعتقاد" يبحث في علم الكلام، ويتألف من قسمين: "تجريد المنطق" و"تجريد الاعتقاد"، والمؤلف رجل ضليع في نظريات علماء الكلام من جهة، وضليع كذلك في النظريات الفلسفية من جهة أخرى، وفضلا عن تمكنه من هذين الموضوعين فإن له نظرته الخاصة أيضاً.  ثم جاء بعده تلميذه، العلامة الحلي، الذي لا يقل عنه نبوغاً -وإن كان هذا أقرب إلى الفقه من اقتراب أستاذه إلى الفلسفة والرياضيات والعلوم الأخرى -فشرح كتاب أستاذه تحت عنوان "كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد"، وهو لم يسهب كثيراً في الشرح، إلا أنه ألقى الضوء لأول مرة على مضامين الكتاب، فقد كان العلامة الحلي من العرب، والطوسي من الإيرانيين.

ثم جاء أناس كثيرون بعد ذلك حتى اليوم، بعد أن مضى على تأليف "تجريد الإعتقاد" أكثر من سبعة قرون، وعلى الأخص إلى ما قبل ثلاثة قرون أو أربعة؛ أي قبل مجيئ مير داماد وملاّ صدرا، فحاولوا جمع ما تناثر من أفكار الخواجة الطوسي، وكتبوا له الشروح العديدة، والحواشي على الحواشي بحيث أننا قلما نجد كتاباً في دنيا الإسلام أثير حوله هذا القدر من الكلام. فكلما ظهر عالم أخذ يبحث في هذا الكتاب، ولعل عدد الذين كتبوا له الشروح والتعليقات والحواشي يبلغ المئة. كان هؤلاء يقولون إنه لولا قيام هذا العربي الشيعي "ويقصدون العلامة الحلي" بشرح كتاب "تجريد الاعتقاد"، بعد أن شرحه علماء السنة أيضاً، لما عرفنا إلى أين تقصد القافلة بنا. ويطلق على هذا العمل كله إسم الشرح.

وأحياناً نرى بيتاً من الشعر يستغرق كتاباً لشرحه، ولكن لا كل الشعر، إذ ليس كل شاعر قادراً على قول بيت من الشعر يحتاج لشرحه إلى كتاب، إلا أن أمثال هؤلاء الشعراء موجودون، مثل مولوي وحافظ، فهؤلاء أناس واسعوا الاطلاع متمكنون من آداب زمانهم، يجمعون في أيديهم زمام القول والبيان. خذوا حافظاً مثلا. لكَم لاحظتم أن العديد من العلماء الأعلام بحثوا في بيت واحد من شعره، وكتبوا المقالات الطوال يشرحونه بها. كذلك كتبت فصول حول بعض أشعار مولوي، ونشرت بحوث عنها، يشرحون فيها مقاصد الشاعر.

حيرت اَنْدَر حِيرت آمد در قِصَصْ

                                        بيهوشي خاصكان اندر أخص

عقل اول راند بر عقل دُوُمْ

                                        ماهي از كُندِه كردد، ني زدم

أو ربما قيل "ماهي از سر كندِه كردد، ني زدم"، فأيهما الصحيح؟ ثم ماهو المقصود؟ هذا كله شرح. إن القضية، لغوياً، تشبه عمل الجزار حين تناوله قطعة لحم ليشرّحها، وإذا به يُعمل سكينة فيها تقطيعاً وتشريحاً، ويجعل منها شرائح خفيفة، بحيث أنها تكاد تكفي لتغطية أرض الغرفة، أي أخذ شيئ مشدود ومضغوط ومتراص، لكي نفتحه ونشرحه. إن مسألة {شرح الصدر} مسألة روحية ونفسية. وما من شيئ في العالم أحوج إلى الشرح من روح الإنسان.

أتزعم أنك جرم صغير                       وفيك انطوى العالم الأكبر

فخطاب الله إلى رسوله بأنه قد شرح له صدره لا يعني إنّه وسّعه.

نحن نقول إن الدار صغيرة، ومساحتها 100متر، ثم نشترى مئة متر أخرى تضيفها إليها، ونقول إنك قد وسعت دارك. على كل حال، حيثما وجد الشرح وجدت التوسعة أيضاً، و لا يلزم أن يكون الشرح حيثما تكون التوسعة. فهو لا يريد أن يقول إننا وهبنا روحك سعة الصدر، بمثلما يوسع المرء داره، أو أننا زدنا في سعة هذا الأناء، إنما القول يدور على أننا فتحنا هذا الإناء الكبير جداً بعضه عن بعض، فتحنا لك صفحات كتاب الروح المتراصة بعضها فوق بعض. و لكن هل في شرح الصدر سعادة للانسان أم لا؟لذلك تقول الآية:

{فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ..}(الأنعام/125). أي إذا أراد الله أن يهدي امرءاً فانه يفتح صدره للاسلام، لحقائق الاسلام. وفي الحقيقة إن الآية {ألم نشرح لك صدرك} تعني "ألم نشرح لك صدرك للتوحيد" و"ألم نشرح لك صدرك للاسلام"، إذ ربما يكون صدر أحدهم قد فتح للكفر، وقد تجد إنساناً جاهلاً لم يشرح صدره لا للإسلام ولا لغير الإسلام، ولا للكفر. الويل لمن يشرح صدره، ويثار فيه نوع من الغليان الروحي والمعنوي، للكفر. أو أهل يمكن أن تكون للمرء سعة صدر في الكفر؟ أجل يمكن. أي أن رأس المال هذا يمكن أن يستثمر في هذا الاتجاه. لقد قرأت في إحدى الصحف أن تيمور تاش قال إنه قد أخبر الميرزا طاهر تنكابني بأنه قد وجد سبعين دليلاً على عدم وجود الله! وأن الميرزا قد أجابه بأنه أيضاً لديه دليل واحد على عدم وجوده، في الوقت الحاضر. فقال له: قل ما هو دليلك؟ فقال: دليلي هو أنك ما تزال موجوداً. فلو كان الله موجوداً لصفي حسابه معك. ولكن لم يمض وقت طويل حتى سقط هذا الرجل وسجن، وانقطع رجاؤه في كل شيئ.


لاحظوا هؤلاء الذين يقولون أن لديهم الدليل، إنما الذي لديهم كله غرور! هذا الشخص نفسه كان متزوجاً من افرنجية، فكان يسمح لها بالحضور. ثم وصل به الأمر إلى أن يقول لها إن في جنوب المدينة رجلاً يكتب الأدعية، فاذهبي اليه وأتيني منه بأحد الأدعية. هذا هو نفسه الذي كان يقول إن لديه سبعين دليلاً على عدم وجود الله، و لكنه أخذ فيما بعد يبحث عمن يكتب له الدعوات. هذا شرح الصدر للكفر.

والفخر الرازي. أنا بالطبع لا أريد ان أتجاسر فأضعه في مصاف أشخاص من هذا القبيل، ولكنه مع ذلك لم يكن من رجال الحقيقة حقاً. من ذلك مثلا إنه قد قام بالشرح أيضا، و أي شرح! فهو عندما يتناول موضوعاً، مهما يكن، في علم الكلام، أو الفلسفة، أو التفسير؛ يأخذ بتفكيكه. ففي التفسير، قام بتفسير إحدى الآيات، وذكر أن لهذه الآية عشرين وجهاً، وراح يسردها واحداً فواحداً، الأمر الذي لم يخطر حتى للجن. ثم هو عندما يصل إلى مرحلة الاختيار، يكون كمن جاءته ضربة من الله، إذ أنه يورد نظريات تضحك الثكلى.

إن هذا الشخص قد شرح صدره، ولكنه لم يكن مصحوباً بهداية من الله، ولم يكن "على نور من ربه". إن الإنسان العادي لقادر على أن يرى الحقيقة من الوهلة الأولى، بغير أن يجول بنظره فيما حوله. ولكن هذا وجد نفسه في مفترق أربعين طريقاً، فأخذ يذهب هنا، ويذهب هناك، ولكنه في النهاية لم يمش في الطريق الذي ينبغي له، بل دخل متاهة مضلّة، وليس كذاك الذي ذهب إلى نجم الدين كبرى، وكان من الفضلاء، وقال له إنه يحس أن ما عنده ليس من العلم في شيئ، إنه تخيل وأفكار "إن قدرتي على التخيل كبيرة. أحس أنني لم أصل إلى الحقيقة".

ولهذا الرجل شعر كثير في ذلك. ثم طلب من نجم الدين، قائلا: "أريدك أن تفعل شيئاً من أجلي، أن تصحح ما عندي، أن تعطيني حقيقة جديدة" فقال له نجم الدين: "سأفعل، ولكن على شرط واحد، وهو أن تزيح عن صدرك هذه الأصنام، وأن تنساها" فقال: "رضيت"، فقال له نجم الدين: "أواثق أنت من نفسك؟" فقال: نعم. أستطيع ذلك". ولكنه عندما جد الجد قال: لا طاقة لي على ذلك. ولهذا نقرأ في القرآن هذه الآية:

{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النحل/106).


وعليه، فإن شرح الصدر غير سعة الصدر. شرح الصدر هو إن الله يفتح روح الإنسان المتضامّة على بعضها، ويلقي بنوره فيها. وهذا هوشرح الصدر للإسلام، وهو شرح صدر إلهي، حتى أنه أجرى على لسان شخص أمي أجلَّ الحكم وأعظمها:

"من أخلصَ لله أربعينَ صباحاً جرت ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه".

فقوله تعالى:

{ألم نشرح لك صدرك} يعني: ألم نفتح لك قلبك حتى فاضت منه الحكمة والحقيقة والعلوم؟

يقول بعضهم إن لرسول الله حديثاً قال فيه إنه طلب من الله شيئاً ثم ندم عليه بعد ذلك، وتمنى لو لم يطلبه. وكان الطلب يتعلق ببعض ما وهب الله لأنبيائه السابقين، وبتلك التي وهبها له، فنزلت هذه السورة: {ألم نشرح لك صدرك} وهذا في الحقيقة بيان لنعمة شرح الصدر وانفتاحه، فيفوز فيه العلم والحكمة.

{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}(الشرح/2).

أي أننا رفعنا عنك الحمل الذي يثقل عليك. وهذه نعمة الله الثانية. فما هو الحمل الثقيل هذا؟ إذا ما وضعنا سورة الإنشراح إلى جانب تلك الآيات التي خاطب بها موسى ربه نجد أنها تصدق بعضها بعضا. لقد قال موسى عليه السلام: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} و {يَسِّرْ لِي أَمْرِي} أي اجعل مهمتي سهلة. فما هي مهمة موسى؟ مهمته الدعوة، دعوة الناس وهدايتهم، وهي مهمة صعبة.

{ويَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} أي اجعل كلامي يسيراً، يفهم الناس منه قصدي، أي إنهم إذا فهموني وأدركوا ماذا أقول وإلى أين أريد أن أقودهم، فهذا يكفي.

 {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} فما معنى الوزير؟ لقد استعملت هذه الكلمة مع الملوك استعمالاً كثيراً جعل معناها يقتصر على السائر خلف الملك والممتثل لأوامره. إلا أن معنى الكلمة غير ذلك. إن معناها المعين، أي الذي يعين غيره على رفع حمل ثقيل. أنتم أيضاً لو أتيتم في محل عملكم بمن يساعدكم على تخفيف أعباء العمل عن كواهلكم، يكون هذا وزيراً لكم. وهذا هو المعنى نفسه الذي وصف به الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام باعتباره وزيراً له، أي إنه يساعده في حمل العبء الثقيل، ولذلك قال في حقه:

 "علي وزيري، ووَصيي، وَقاضي ديني".

كلمة "الوزير" مأخوذة من "الوزر"، والوزر هو الحمل الثقيل، والزير هو الذي يساعد على رفع الحمل الثقيل.

والوزر، باعتبارها تعني الحمل الثقيل، تستعمل للدلالة على الإثم أيضاً، لأن الإثم كالحمل الثقيل على الإنسان. ولقد سبق أن قلنا مرارا إن من صفات الإثم أنه يثقل روح الإنسان، أي إنه يستفرغ قوة الإنسان وطاقته، فإذا مشى فكأنه يحمل ثقلاً على كاهله، بخلاف طاعة الله، فهذه تمنح القوة.

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}(البقرة/45).

إن من مميزات عمل الخير أنه يمنح القوة، فالذي يفعل الخير يحس كأنه قد تغذى تغذية جيدة، أو أنه قد زرقت فيه عقاقير مقوية. أما في حالة ارتكابه الإثم، فيحس كأن حملا يثقل كاهله، ويشعر بالرهق حتى في السير العادي.

فإذا أطلقت كلمة "وزر" على الإثم، فذاك لأن الإثم حمل ثقيل، الحمل الثقيل الذي كان بعهدته، رسالته إلى الناس، ودعوتهم، وهدايتهم. إذا أراد أحد أن يهدي الناس حقاً، فليس أثقل منه من عبء. فإذا قال الله للرسول: {ووضعنا عنك وزرك} بعليّ، فذلك هو الحق الواقع. أي إننا خففنا عنك هذا العبء بهذا الرجل الذي هو منك بمنزلة هارون من موسى، فبه رفعنا عنك الحمل. أو لم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى". وهذا من الأحاديث المتواترة عن الشيعة والسنة.

فقد روي أن النبي كان يصحب علياً في كل حرب يخوضها ضد المشركين، ولكنه عندما عزم على التوجه إلى حرب تبوك، لم يأخذ علياً معه، وذلك لأنها لم تكن حرباً فعلية، بل كانت حرباً استعراضية، لإظهار قوة المسلمين وشوكتهم أمام شمال جزيرة العرب في سورية. فذهبوا وعادوا، وكان النبي قد أبقى علياً بمكانه في المدينة، فأظهر علي إنه كان يفضل لو ذهب معه، فقال الرسول: "يا علي ألا تحب أن تكون خليفتي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى" باختلاف واحد، هو "ألا أنه لا نبي بعدي". وهذا يعني إن هارون كان نبياً، إذ أنه كان بمقدوره أن يكون نبياً بعد موسى. ولكنك لا تكون نبياً لأنه لا نبي بعدي، فكل ما بيني وبينك من روابط هي ما كانت بين موسى وهارون. فعليّ وزير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

عندما أعلن النبي دعوته كان الأمر صعباً، ثم بعد ذلك، في المدينة، عندما أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، خف الأمر، وأزيح الثقل عن كاهل الرسول. كانت مهمته قد انتهت.
{ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك }.

أي ذلك الحمل الذي أخرج الأصوات من عظام ظهرك بمثلها يضع امرؤ ثقلاً على سقف خشبي، فيصدر الصوت من الخشب حتى يكاد ينكسر. يريد الله أن يقول ان الحمل كان من الثقل بحيث إن عظام ظهرك أخذت تفرقع، فأزحنا عنك هذا الثقل، وكنت موفقا.

{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.

لقد أنزلنا حملك، ولكننا رفعنا اسمك، وجعلنا صوتك يعلو، وقرنّا اسمك باسم الله، فعندما ينادي المنادي: أشهد ألاّ إله إلاّ الله، يتلوه مباشرة:

أشهد أن محمد رسول الله.

إلى هنا تتناول الآيات النعم الالهية، ثم يبينها بصورة فلسفية. الى هذا الحد كانت الآيات شخصية:

كنت كذا، و فعلنا كذا. ثم يضع الموضوع في صيغة فلسفية، ليصل منها الى النتيجة.
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
المعنى الكلي هو أن الصعوبة تأتي ومعها السهولة، والسهولة في الصعوبه. وتشير الآيتان إلى مهمة النبي: كم كانت صعبة في البداية، وكم كان حملك ثقيلا حتى فرقعت عظام ظهرك. وكان العدو يسعى لأن يمحو اسمك محواً، فصار العكس. هذا هو قانون الله.

{فان مع العسر يسراً} مع الصعوبة سهولة، وإن الصعوبة تليها السهولة، نهاية ظلام الليل صباح أبيض، ولكن ماذا يعبر القرآن عن ذلك بقوله إن الصعوبة مع السهولة؟ المقصود هو القول أن ليس هناك تعاقب، أي ليس هناك أمر صعب، ثم يعقبه أمر سهل بالتناوب، ليس الأمر كذلك، بل إن السهولة وليدة الصعوبة، والصعوبة أم السهولة، أي إنكم إذا أردتم بلوغ اليسر والرفاه، والسعادة، فلا يتاح لكم ذلك ما لم تعبروا طريق الشدائد. إنه لتعبير عجيب، وهي كلية عجيبة. فعلى الرغم من أن البداية تخص شخص الرسول، والنعم التي أنعم الله بها عليه، شرح صدره، ورفع عنه الثقل، ورفع اسمه، ولكن على أي قانون؟ أعمال الله كلها تجري على وفق القوانين والسنن، فما هذه القوانين والسنن؟

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}

هذا هو القانون. ونقرأ في سورة السجدة:

{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(السجدة/24).

أي إننا عيّنا منهم قادة يرشدون الناس بأمرنا. لماذا؟ لأنهم صبروا في الشدائد، وآمنوا بآياتنا. الإيمان مع العمل في الشدائد.

وقد ورد هذا أيضاً في آيات أخرى مثل سورة آل عمران:

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ*وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران/148:146).

أي: كم في طول التاريخ من أناس إلهيين، يعبدون الله، وكم من أنبياء قاتل أولئك معهم في سبيل الله {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله} أي كم تحملوا من الشدائد، ولكنهم لم يستول عليهم الوهن  {وَمَا ضَعُفُوا} وظلت معنوياتهم عالية، {وَمَا اسْتَكَانُوا} لم يظهروا الجزع والخضوع والذل، ولم تتحطم نفوسهم، ولم يتزلزل إيمانهم، بل لجأوا إلى الله، واستعانوا به، ولم يقولوا شيئاً سوى الطلب من الله أن يملأهم صبراً واستقامة في سبيله، وأن ينصرهم على الكفار. ولذلك، ولما تحملوا من المحن {فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران/148).

في إحدى خطب أمير المؤمنين في نهج البلاغة، يلوم أصحابه على أن الناس أخذت تظهر عليهم حالة من الكسل والتهاون.

ولكننا نحن أصحاب عليّ، ونحن أعوانه، أو ليس علي صهر الرسول؟ أو ليس وصيه؟ أو ليس خليفته بالحق؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلابد أن ننتصر على جيش معاوية. نعم، ما دمنا من أتباع علي، وجب أن ننتصر على جيش معاوية.

ولكن عليّاً كان يقول: ليس الأمر كذلك إذ ليس من سنة الله أننا بايعنا عليّاً حتى وجب أن ننتصر، وذلك لأننا، على الرغم من أننا بايعنا محمداً وآمنا به، فإن الله لم يمن علينا بالنصر بهذه السهولة: " لقد كنا مع رسول الله نقتل آباءنا وأعمامنا إذا وقف في طريقنا أحد منهم. ولكن تحملنا المشاق والشدائد، ولكم صادف أن قابلنا العدو وجهاً لوجه في ميادين الحرب، فتصارعنا كبعيرين، فنغلب حيناً، ونُغلب حيناً. فلم يكن الأمر كما تظنون، بأننا لكوننا نسير في ركاب الرسول، ما أن نجرد سيوفنا حتى يفني الأعداء جميعاً. ولكننا خرجنا من بوتقة الإمتحان بنية صادقة".

ويضيف الإمام عليّ قائلاً: لقد ظهرت نيتنا الصادقة في أعمالنا، لا في الإدلاء بالشهادتين. وعندئذٍ أيدنا الله بنصر من عنده. وهذا هو معنى الآية {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} فيا أيها الرسول لقد عانيت كثيراً، وها هي ثمرات العناء.

ثم نأتي إلى أمر عجيب آخر:

{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ}.

هل يعني هذا أنك بعد أن فرغت من ذلك،ورفع الثقل عن كاهلك، اذهب ونم مستريحا؟ لئن فعلت ذلك، فأنت قد جلبت على نفسك سوء الحظ، إذ أن سوء الحظ يأتي من التعود على النوم الاستراحة والرفاهية، وما من أمر أشد عداءً للإنسان من الرفاهية. {فإذا فرغت فانصب} إذا فرغت من كل ذلك، فالقِ بنفسك في التعب والنصب، ابحث عن الشدائد، ولا تعوِّد نفسك على الراحة.
لنفرض أن رجل الله لم يجد أمامه من المشاكل الاجتماعية ما يشتغل بها، فهل زالت عنه شدائد العبادة؟ عندما لم يكن للنبي من المشاكل الاجتماعية ما يشغله، فهل زالت يقضي الليل في النوم حتى الصباح؟ كلا. ما كان ليستريح. {فإذا فرغت فانصب} إلقِ بنفسك في المتاعب الحقة، ولا تركن إلى الراحة فهي عدو الإنسان.
{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}.




المد و الجزر - الشهيد مرتضى مطهري


لا شك إنكم قد سمعتم بالمد و الجزر في البحر . فالبحر في مد وجزر مستمرَّيْن ، وعندما يصيب المد هذا الجانب يحدث مثله في الجانب الأخر ، ولقد ثبت منذ القديم أنَّ للقمر تأثيراً في المد والجزر . وإنَّ البحر دائم الهيجان ودائم المد والجزر ، تمتد من هنا وتجزر من هناك . إنَّ روح الإنسان ، وبالتالي المجتمع الإنساني ، فيه هذه الحالة من المد والجزر الموجودة في البحر ، فروح الإنسان في مد وجزر دائمين ، ينجذب من هنا ومن هناك ، وكذلك الأمر في المجتمعات ، فمرة تنجذب إلى هذا الجانب ، ومرة إلى ذلك الجانب . طبيعي أنَّ المجتمع قد ينجذب بفعل الأفراد أو بفعل أحداث أخرى ، إلا أنَّ الانجذابات الأرضية الحيوانية ، بل إنَّ القيم الإنسانية عند الإنسان كذلك أيضا ، فانتم قد تشاهدون أشخاصا يتمسكون حقا بالقيم الإنسانية ، إلا أن إحدى هذه القيم تتمدد فيهم ويكبر حجمها حتى تنسى جميع القيم الأخرى . فهؤلاء أشبه بذاك الذي تنمو فيه إذنه فقط ، أو أنفه فقط . إنَّ اغلب الانحرافات في المجتمعات ناشئ من عدم الانسجام والتناسب إنَّ المجتمع لن ينحرف  مائة بالمائة عن طريق الباطل ، بل الأغلب أنْ ينحرف المجتمع بسبب الإفراط في حق من الحقوق . فمثلا إن واحدة من القيم الإنسانية التي يؤيدها الإسلام مائة بالمائة هي العبادة والعبادة هي ذكر الله ، والعبادة بمعناها الخاص . ففي الإسلام كل ما يفعله الإنسان لله عبادة .

فعندما يخرج للتكسب بهدف سد حاجته وحاجة عياله ، وخدمة مجتمعة ، يكون قائماً بالعبادة بالمعنى الخاص ، كالخلوة مع الله ، والصلاة والدعاء والمناجاة والتهجد ، وهذه أجزاء من متون الإسلام ولا يمكن حذفها من الإسلام . هذا بذاته قيمة من القيم الحقيقية ، ولكن إذا لم تراقب وتوضع لها الحدود فقد ينجذب المجتمع إلى هذه القيمة فحسب ، وعندئذ لا يكون الإسلام إلا عبادة ، ويصبح فقط الذهاب إلى المسجد ، وإقامة الصلوات المستحبة ، والدعاء ، والتعقيبات ، وأداء الاغسال المستحبة ، وقراءة القرآن ، أي الاتجاه إلى أمور إذا أفرط المجتمع في السير فيها ، لانمحت كل القيم الأخرى من المجتمع ، كالذي رأينا أنّه حدث في تاريخ الإسلام حيث ظهر مد من هذا القبيل في المجتمع الإسلامي ، كما أننا نلاحظ أفراد سليمي النية ولا يمكن اتهامهم بشيء . ولكنهم واقعون على هذا الطريق ، ومن يقع في هذا الطريق لا يمكنه إن يحتفظ بتعادله ، ولا يستطيع أن يقول : إنني إنسان وأن الله قد خلقني إنساناً ولم يخلقني ملكاً ، فلو كنت ملكاً لكان علي أن اذهب إلى الطرف الآخر . على الإنسان أنْ ينمي في نفسه أفكاراً مختلفة وإن ينميها في تجانس وتناسب .
قيل للنبي الكريم أن بعضا من أصحابك قد غرقوا في العبادة . فغضب النبي (ص) وجاء المسجد ونادى في الناس وقال إنه سمع إن فيهم من يوصل الليل بالنهار عبادة مع إنه وهو نبيهم لا يفعل هكذا بل يستريح بعض الليل ، وينام ، وينظر عياله ويقارب زوجته ، ولا يصوم الأيام كلها ، بل يصوم في بعض ويفطر في بعض . وقال إن أولئك خارجون عن سنته .

عندما يرى النبي (ص) إن إحدى القيم الإسلامية تغطي على القيم الأخرى ، أي أن المجتمع الإسلامي قد أصيب بالمد إلى ناحية واحدة ، فإنه يحارب ذلك شديداً .
كان لعمر بن العاص ولدان ، عبد الله ومحمد . كان محمد أقرب إلى طراز أبيه للدنيا وللرئاسة ، بينما كان عبد الله تقيا نجيبا . عندما كان يستشيرهما أبوهما ، كان عبد الله يدعو أباه للالتحاق بعلي (ع) ، وكان الآخر يمنعه من ذلك قائلا أنه لن يجد خيراً مع علي ، ويحثه على الالتحاق بمعاوية . وكان المعروف عن عبد الله إنه يميل إلى العبادة . وقد التقاه النبي (ص) مرة وقال له : سمعت إنك تحتي الليل بالعبادة حتى الصباح ، وتصوم نهارك . فقال : نعم يا رسول الله ، إني كذلك فقال رسول الله : ولكني لست كذلك ولا ارتضيه ، ولا يصح .

قد ينحرف مجتمع ما نحو الزهد ، والزهد حقيقة واقعة غير قابلة للإنكار . ولكن الزهد قيمة من القيم لها آثارها وفوائدها ، وإنَّه لمن الممتنع المستحيل أنْ يرى مجتمع وجه السعادة ، أو في الأقل يمتنع أن نعد مجتمعا من المجتمعات إسلاميا بغير أنْ يكون عنصر الزهد موجودا في تلك المجتمع . ولكن قد يحدث أََنْ يجر هذا العنصر المجتمع نحوه ، ويصبح كل شيء زهداً ، ولا شيء غير الزهد .
من القيم الأخرى خدمة الناس ، وهي من القيم الإنسانية الثابتة والإسلام يؤيدها مائة بالمائة والحقيقة إنَّ هذه من افضل القيم الإنسانية ولكم أكد الرسول الكريم عليها ، وما أكثر ما يحث عليها القرآن وعلى التعاون ومديد المساعدة للناس .
{ لَيْسَ     البِرَّ أن تُوَلًّوا وُجوهَكُمْ قِبَلَ المشرقِ والْمَغْرِبِ ولكنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بالله واليَوْمِ الآخِرِ والملاِئكَة والكِتَابِ والنبيينَ وآتى المالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِيِ القُربى واليَتامى والمسَاكِينَ وابنَ السَّبِيلِ والسَّائِلينَ وَفي الرِّقابِ ...} سورة البقرة الآية 177 .

وهذه من القيم غير القابلة للإنكار . ولكن قد يبالغ المرء فيعتبر ، كما يقول سعدي ، أن " العبادة ليست سوى خدمة الناس " وإن لا عبادة غير ذلك ، ويلغي باعتباره هذا القيم الأخرى ، فينكر العبادات الأخرى في الزهد ، وفي العلم ، وفي الجهاد ، وينكر كل تلك القيم الرفيعة العظيمة في الإسلام ، ولا يعترف إلا بقيمة واحدة وعبادة واحدة هي خدمة خلق الله .
واليوم يرى بعض المتنورين ، خصوصا ، إنه قد اكتشف منطقا ساميا جدا ، وأطلقوا على ذلك المنطق الرفيع اسم الإنسانية وحب البشر . فما معنى حب البشر ؟ أَنْ تخدم الناس أمر حسن جدا ، فلنخدم الناس ، بصرف النظر عمن يكونون . إنما نحن نخدم الناس فقط . خدمة خلق الله لا بد منها ، بغير تمييز . حسن ، لنفرض إننا قد ملأنا بطون خلق الله وكسونا أبدانهم ، إلا أننا نكون قد خدمنا حيوانا ، إذا أننا إذا لم نعترف لهم بمقام أعلى ، ونحصر كل القيم في خدمة خلق الله ، بغير أنْ تكون فينا قيمة من القيم ، ولا أنْ تكون في الآخرين قيمة من القيم فإن جميع خلق الله لا يزيدون على قطيع من الأغنام أو من الخيل . صحيح إننا ملأنا بطونهم وكسوناهم ولكن الهدف الأعلى للبطون هو أن تمتلئ ، مع بقاء الحيوانية على حالها ، و أنا  أيضا يكون الحد الأعلى لخدمتي هو أن اخدم حيوانا مثلي ، وتكون الأهداف العليا لأمثالي من الحيوانات هي أن تخدم حيوانات أخرى مثلبي ، لا خدمة الإنسان الذي يتصف بالإنسانية , فإذا كانت خدمة خلق الله لا تتجاوز هذا الحد ، بصرف النظر عن نوعية هذا الخلق ما دام من خلق الله ، وبغير تمييز بين أن أخدم أبا ذر أو أن أخدم معاوية ، وإذا لم يكن لخلق الله غير هذه المنزلة ، فهذا أيضا ضرب من الإفراط .

أو خذ الحرية مثلا . فالحرية واحدة من أعظم القيم الإنسانية وأرفعها ، أو قل إنها من القيم المعنوية ، أي من القيم التي تعلو على حدود حيوانية الإنسان . الحرية للإنسان أرفع بكثير من القيم المادية . إنَّ الإنسان الذي سبق أنْ شم رائحة الإنسانية ليرتضي العيش جائعاً وعارياً ويتحمل اشق ظروف الحياة على إن لا يكون أسير شخص آخر ، ولا يقع تحت حكم إنسان آخر ، بل إن يعيش حراً.

 

الأحد، 25 ديسمبر 2011

جولة في أفكار الشهيد المطهري حول الملحمة الحسينية


كربلاء قضية متجذرة في الوعي الإسلامي ، ساهمت في تشكل الوعي الحركي الثائر على الظلم و الفساد ، و باتت مع تقادم الزمن أكثر رسوخاً في وجدان الأمة ، و بعبارة أخرى إنها تلك الواقعة التي قفزت فوق الزمان و المكان مستمدة من نور مشكاة النبوة رمزيتها ، و من لون البذل عنفوانها ، فاستحالت نهجاً يحمل  شعلة متوقدة تسمو بالإنسان في آفاق العزة و الكرامة، و تعبر في مدلولاتها عن محورية الصراع الدائر بين الاستكبار و الاستضعاف ، و بين رمز العدالة و التفاني في الله و رمز الاستغراق في حطام الدنيا الفانية.
تجلى التعبير عن عاشوراء بأساليب و أشكال مختلفة ، لعلّ  من أبرزها
المجالس العاشورائية ، حيث يقوم الخطيب أو العالم بسرد وقائع هذه الحادثة و الإسهاب في عرض موضوعاتها ، و للاستزادة في التشويق و الانجذاب ، كان يطلق العنان لخياله الروائي ليحلّق في آفاقها دونما حسيب أو رقيب ، فيدخل عليها الكثير من الزيادات و المبالغات . ما دفع ببعض العلماء إلى التصدي لهذه الظاهرة ، و لعل كتاب " الملحمة الحسينية " للشهيد مطهري ، و هو مؤلف في ثلاثة أجزاء من الكتب التي عالجت هذه الظاهرة معالجة وافية ، و انطلاقاً من رؤية عميقة ، و لذلك سنحاول التوقف عند أهم المحطات التي ذكرها الشهيد في كتابه.

الانحرافات في السيرة و سبل مقاومتها

يحذّر الشهيد في مستهل كتابه من الإنحرافات التي أدخلت على عاشوراء ، باعتبار ما ينطوي على هذا السلوك من سلبيات في حركة الأمة و الشعب ، و ما تخلفه من تداعيات في النظرة إلى شخصية
الإمام الحسين(ع) ، حيث يقول : " و حادثة كربلاء شئنا أم أبينا حادثة اجتماعية كبرى بالنسبة لشعبنا و أمتنا ، أي أنها حادثة مؤثرة للغاية في تربية أهلنا و عاداتهم و سلوكهم " ، (ج1، ص11).و لذلك ترى الناس يندفعون لإحياء هذه الذكرى بشكل طوعي و من تلقاء أنفسهم ، و فوق ذلك يصرفون الكثير من الجهد و المال من أجل الاستماع إلى هذه الحادثة و ما يرتبط بها من قضايا : "
إنها الحادثة التي تدفع بشعبنا بشكل آلي و دون تدخل أية قدرة خارجية إلى أن يتوجه الملايين منه لصرف ملايين الساعات من جهدهم و إنفاق الملايين لسماع ما يرتبط بها من قضايا.. " ، (ج1، ص11).و انطلاقاً من أهمية هذه الواقعة و خشية الانحراف عن مسارها الحقيقي ، يدعو الشهيد إلى  التمسك بمضمون هذه الحادثة ، و عرضها كما هي بكل مفرداتها الواقعية ، و يحذر من الانزلاق في خيالات الوهم لما يجلب من ضرر على الأمة ، فيقول : "
إن هذه القضية ينبغي عرضها كما هي دون زيادة أو نقصان ، لأنه في حالة أي تدخل أو تصرف في اللفظ أو المعنى مهما كان بسيطاً ، سيرتب بلا شك حرف اتجاه الحادثة عن مسارها ، و بالتالي إلحاق الضرر بأمتنا بالتأكيد بدلاً من إفادتها منها " ، (ج1، ص11ـ12) ، محملاً مسؤولية ما يحصل للعلماء و الرواة وحتى عامة الناس ، حيث يقول و  بكل مرارة : " إن التحريفات التي أصابت هذه القضية على أيدينا كانت كلها باتجاه التقليل من قيمة الحادثة و مسخها و تحويلها إلى حادثة لا طعم لها و لا معنى ، و المسؤولية هنا تقع على الرواة و العلماء ، كما تقع على العامة من الناس " ، (ج1، ص12).و لم يقتصر المطهري في حديثه على مظاهر التحريف المعاصرة بل يعود بالذكرى إلى
الميرزا حسين النوري أستاذ المرحوم الشيخ عباس القمي ، الذي يتطرق إلى ما ألصق بكربلاء من أكاذيب دون أن يقوم أحد بفضحها ، و لفت إلى المنحى الخطير الذي لحق بهذه الواقعة نتيجة تلك الالصاقات ، فالميرزا النوري يدعو إلى البكاء على الحسين ، ولكن ليس بسبب ما ناله جسده الطاهر من سيوف و رماح ، بل بسبب الأكاذيب التي ألصقت بالواقعة ، (ج1، ص13)  .وكما ذكرنا ، يحمّل ( الشهيد ) مسؤولية ما يحصل في هذه الذكرى للناس بإعتبارين :

- الإعتبار الأول :

 إن النهي عن المنكر واجب على الجميع ، و عليه ، فإن من يعرف بأن ما يقال على المنابر كذب و افتراء ـ و أكثر الناس تعرف ذلك ـ فإن من واجبه عدم الجلوس في هذه المجالس ، لأنه عمل حرام و الواجب يتطلب منه مقاومة هذا الكذب و فضحه.

- الإعتبار الثاني :

لابد لنا جميعاً من قهر هذه الرغبة اللامسؤولة المنتشرة بين الناس و الخطباء ، و التي تتوقع من المجالس الحسينية أن تصبح مجالس حارة و حماسية ، أو كما يصطلح عليها البعض "
كربلاء ثانية "، فالخطيب المسكين تراه أحياناً يقع في حيرة إذا ما تكلم الصدق ، و قال الحقائق دون زيادة أو نقصان من على المنبر الحسيني ، إذ إن نتيجة ذلك ستكون نعت مجلسه بالمجلس البارد و غير الحماسي ، و بالتالي عدم رغبة الناس بدعوة هذا الخطيب مجدداً ، مما يضطره إلى اختراع بعض القصص الخيالية لإدخال الحرارة إلى مجلسه ، (ج1، ص14) .و هنا يدعو الشهيد مطهري الناس إلى مقاومة هذه الرغبة اللامسؤولة و إثبات ذلك بسلوكهم ، فلا يقوموا بتشجيع مثل هذا الخطيب الحسيني ، الذي يريد تحويل مجلسه إلى كربلاء ثانية بأي ثمن كان ، (ج1، ص14ـ15)  ؛ و تكمن معالجة ذلك في استماع الناس إلى المأتم الحسيني الصادق ، حتى تتسع معارفهم ، و ينمو مستوى التفكير لديهم ، و يعرفوا بأن اهتزاز روحهم مع أية كلمة من كلمات المأتم الحسيني ، يعني تحليقها و انصهارها مع روح الحسين بن
علي(ع) ، و بالتالي فإن دمعة واحدة ، إذا ما خرجت من مآقيهم كافية لمنحهم ذلك المقام الكبير الذي ناله أنصار الحسين(ع) ، أما الدموع التي تخرج من خلال العرض المأساوي و رسم المجزرة و تشريح الذبح و المذبحة ، فلا تساوي شيئاً حتى لو كانت بحراً من الدموع ، (راجع ج 1 ، ص15).و باختصار يمكن القول ، إن هذه الرغبة اللامسؤولة لرؤية واقعة كربلاء بشكلها المأساوي من طرف الناس ، كانت هي الدافع لاختلاق الأكاذيب ، و لذلك فإن أغلب التزوير و الكذب الذي أدخل في مواعظ التعزية ، كان سببه الرغبة في الخروج من سياق الوعظ و التحليق في خيال الفاجعة. و من الواضح أن الشهيد لم يقتصر في إلقاء تبعات ما وصلت إليه المجالس الحسينية على الناس فحسب ، بل يغمز من قناة الخطباء و العلماء ، حيث يقول : "
فمن أجل شدّ الناس إلى صورة الفاجعة التاريخية و تصويرها المأساوي ، و دفع الناس إلى البكاء و النحيب ليس إلا ، كان الواعظ على الدوام مضطراً للتزوير و الاختلاق " ، (ج1،ص16).و لذلك يعتبر أن اختلاق الأكاذيب و إطلاق العنان للخيال إنما يخفضان من شأن الإمام الحسين(ع) و مقامه ، و لا يرفعان من شأنه. و من اللافت أن الشهيد يُخضع ما كان يدور في كربلاء إلى المنطق و العقل ، فيجري العمليات الحسابية ، و يعرض الحادثة أولاً ، ثم يبيّن معايبها بأسلوب منطقي عقلاني مدعم بالوثائق التاريخية ، و البحث الجاد عن المكان و الزمان لدحض المزاعم و الاختلاقات التي دخلت إلى صلب عاشوراء ، (راجع ج1، ص16ـ 28).
و هنا ينتقد الشهيد هذه الظاهرة ، مستشهداً بكلام الحاج نوري الذي يرى أن الأمور وصلت إلى وضع مأساوي ، فيدعو إلى البكاء على الحسين(ع) لكثرة الأكاذيب و الاختلاقات التي تنسب إلى واقعة عاشوراء ، حيث يقول : "
إذن لا بد أن نصدق كلام الحاج نوري عندما يقول ، إذا أراد أحد أن يبكي أبا عبد الله الحسين اليوم ، و يذكر مصائبه فعليه أن يبكي مصائب الحسين الجديدة ، أن يبكي حسيناً لكثرة الأكاذيب و الاختلاقات التي نسبت إلى واقعة عاشوراء و شخصية الإمام " ، (ج1، ص22).و هذه الأكاذيب ـ كما يقول الشهيد ـ لم يكن مردها إلى ضعف الأسانيد و إلى النقص في الوثائق : "
إن الشيء الذي يحزّ في القلب هو كون واقعة كربلاء من أغنى الوقائع التاريخية المدعمة بالوثائق الأسانيد المعتبرة. في السابق كنت أتصور أن سبب كل هذه الأكاذيب التي ألصقت بهذه الحادثة ، يكمن في عدم معرفة الوقائع الصحيحة للواقعة ، ولكنني بعد المطالعة و التدقيق لاحظت أنه ربما كانت واقعة كربلاء واحدة من أندر الوقائع التاريخية المدعمة بكل تلك الأسانيد التاريخية الباقية منذ ذلك التاريخ البعيد ، أي منذ أربعة عشر قرناً خلت ، (ج1، ص22ـ23).

الخميس، 22 ديسمبر 2011

الانسان الكامل في المنظور الاسلامي


فإنسان الإسلام الكامل إنسان قد نمت فيه القوى العقلية ، بينما إنسان التصوف الكامل يحتقر العقل . ونقطة الاختلاف الأخرى هي أن منطق التصوف يقول : اطلب من نفسك . كل ما تريد أن تعطيه أطلبه من نفسك ، أي أطلبه من قلبك ، اطلبه من الباطن .
إن الطريقة التي تقترحها هذه المدرسة لإيصال الإنسان إلى

مرحلة الإنسان الكامل هو تهذيب النفس وإصلاحها ، والاتجاه نحو الله . كلما كان اتجاه الإنسان إلى الله أكثر ، وانصرافه عن التوجه نحو غير الله أكثر ، وكلما كان التفاته إلى أعماقه أكبر ، وارتباطه بالخارج أضعف ، كان أسرع في الوصول إلى مقام الإنسان الكامل . وطبيعي إن هؤلاء لا يعترفون بأية قيمة للبحث والاستدلال والمنطق .

فما هي نهاية الطريق ؟ إن نهاية طريق الفيلسوف هي إن يصبح الإنسان عالما من الفكر " صيرورة الإنسان عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني " . إن صورة العالم الكلية تنعكس على مرآة عقله ، أي إنه يرى العالم في داخله . هذه هي نهاية طريق الفيلسوف . فما هي نهاية طريق الصوفي نهاية طريقة الوصول إلى الرؤية . الوصول إلى ماذا ؟ الوصول إلى الذات العليا ، إلى الله . إنهم يعتقدون إنه إذا استطاع الإنسان أن يصفي باطنه ، وإن يتحرك في مركبة العشق ، وإن يطوي مراحل الطريق تحت أشراف إنسان أكمل ، يصل إلى نهاية الطريق حيث ترفع الحجب كليا بينه وبين الله ويصل - بحسب تعبيرهم - إلى الله . هناك في القرآن تعبير عن { لقاء الله }. فالصوفي لا يقول سوف أصل إلى حيث اصبح عالما من الفكر ، أو مرآة ينعكس في العالم . بل يقول : أنا ماض لأصل إلى مركز العالم :

{ يا أيّها الإنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّك كَدْحَاً فَمُلاَقِيهِ } سورة الإنشقاق ، الآية 6 .
فأنت إذا وصلت إلى هناك فسيكون لك كل شيء ، ولكنك لا تريد شيئا . هنا اللغز ، فأنت تصل إلى مقام تعطي فيه كل شيء ، ولكنك لا تلتفت إلى شيء سواه . ما أبدع ما يقوله أبو سعيد أبو الخير :
هركس كه تورا شناخت جان راجه كند
            فرزند وعيال وخانمان راجه كند
ديوانه كنى هر دوجهانش بخش
            ديوانه تو هردو جهان راجه كند
( إن من يعرفك لا حاجة له بروحه
وما حاجته بالبنين والعائلة والأهل )
( تجنّه وتمنحه كلا العالمين
            وما حاجة من جن بك بالعالمين )

فهو قبل إن يعرفك كان يريد كل شيء ، ولكنك لم تعطه يومذاك ، وعندما ما عرفك ومنحته كل شيء ، لوى جيده عن كل شيء . إن من يعرفك لا يلتفت إلى كل ما تعطيه ، فأنت فوق الدنيا والآخرة .
إذا شئنا هنا إن نبين وجهة نظر الإسلام ، وهل هذه تنسجم مع الموازين الإسلامية أم لا ، ولا يتسع لنا المجال . ولكننا تعرفنا على الإنسان الكامل عند المتصوفة ، وعرفنا إنه إنسان يصل إلى الله وعندئذ يصبح مظهرا كاملا لجميع أسماء الله وصفاته ، أو ، حسب اصطلاحهم ، يصبح مرآة تظهر فيها ذات الله وتتجلى .

وقد قلنا إن ما يعتبر هو الإنسان الكامل عند الفلاسفة ، يعتبره الإسلام إنسانا نصف كامل ، لا إنسانا كاملا . هنا لابد إن نبحث عما إذا كانت مسألة تهذيب النفس وتركيزها مطروحة في الإسلام أم لا . نعم ، لا شك إن هذه المسألة مطروحة في الإسلام ، لأن القرآن يقول :
{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاها} سورة الشمس ، الآية 9و10 .
وهذا بعد إن يقسم القرآن أحد عشر قسما متواليا . هل تزكية النفس طريق في الإسلام إلى معرفة الله ، أم إن هذه المعرفة لا تكون إلا بالدليل والبرهان والاستدلال وطريق الفلاسفة والعلماء . كلا الطريقين يؤيدهما الإسلام إلى هذا الحد . هناك حديث نبوي شريف يرويه الشيعة وأهل السنة وهو من الأمور المسلم بها ، قال صلى الله عليه و آله وسلم :
" مّنْ أَخَلَصَ للّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً جَرَتْ يَنابِيعُ الحِكَمِ مِنْ قَلْبِهِ عَلى لِسَانِهِ " سفينة البحار ، مادة " خلص " .

أي أن من أمضى أربعين يوما لا تحكمه نازعة سوى رضا الله تعالى ، فلا ينطق إلا في سبيله ، ولا يسكت إلا في سبيله ، ولا ينظر إلا في سبيله ، ولا يغمض عينيه إلا في سبيله ، ولا يأكل إلا في سبيله ، ولا ينام إلا في سبيله ، ولا يستيقظ إلا في سبيله ، أي إنه ينظم حياته ويصلح روحه بحيث إنه لا يعمل شيئا إلا في سبيل الله ، ويبعد عن نفسه الهوى أربعين يوما ، ويصبح إبراهيم خليل الله الذي يحكى عنه القرآن :
{ قُل إنَّ صَلَوَاتِي وَنُسْكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتي للّهِ رَبِّ العَالَمِينَ } سورة الأنعام ، الآية 162 .

فإذا وفق امرؤ أن يبتعد عن أهواء نفسه أربعين يوما ، ابتعادا تاما ، وإن لا يقوم خلالها بأي عمل إلا لله ، وإن لا يتحرك إلا لله ، وإن لا يحيا إلا لله ، فإن عيون المعرفة تتدفق في باطنه بعد هذه المدة وتجرى على لسانه . ومن هذا يتضح إن الإسلام يقبل بالعلم الذي يطلقون عليه اسم العلم الآفاقي ، أي العلم الذي ينبثق من الداخل ، في الوقت نفسه الذي يقبل به بالعلم العقلي الذي يدعو إليه ، إذ يطلب القرآن من موسى إن يذهب للتعلم :
{فَوَجَدَ عَبْدَاً مِنْ عِبَادِنَا آتيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَاْ وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنْاْ عِلْماً } سورة الكهف ، الآية 65 .

إنه علم لم يتعلمه من بشر ، وإنما هو علم اندفع من باطنه بأمرنا . ومن هنا يأتي تعبير " العلم اللدني " والذي عبر عنه الشاعر حافظ بلغته الجميلة ، إذ يقول :
شنيدم رهروي درسرزميني
            همى كفت أين معما باقريني
كه أي صوفى شراب آنكه شود صاف
            كه در شيشه بما ند أربعيني
( سمعت عابرا في بعض الأرض
            لا يفتأ يذكر هذا اللغز لقرينه
( أيها الصوفي ، إنما يروق الشراب
            إذا بقى في القنينة أربعينا )

ويقول الرسول الكريم أيضا :
" لَولا أنَّ الشَّيْاطِينَ يْحومونَ حَوْلَ قُلوُبِ بَني آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ " معراج السعادة ، ص11 . أي أن الشياطين يدورون حول بني آدم ويثيرون الغبار والظلام ، وإلا لاستطاعوا بعيون قلوبهم أن يروا ملكوت الله . كذلك يقول الرسول (ص) :
" لَولا تَمْرِيعٌ فِي قُلوُبِِكُمْ أوْ تَزيدُكُمْ في الحَدِيثِ لَسَمَعْتُم مْاَ أَسْمَعُ " مسند أحمد ، ج 2665 .

وقوله أيضا :
" لَوْلا تَكْثيرٌ في كَلاَمِكُمْ وَتَمْزيجٌ في قُلُوبِكُمْ لَرَأَيْتُمْ مَا أَرَى وَلَسَمَعْتُمْ ماَ أَسْمَعُ " معراج السعادة .
فلا يلزم المرء أن يكون نبيا ليرى ما يراه الأنبياء ويسمع ما يسمعونه . بل إن غير الأنبياء يسمعون أيضا ، مثلما سمعت مريم . وعلي (ع) وهو ابن عشر سنوات ، كان في خدمة الرسول (ص) يتعبد معه في المعبد ، وفي غار حراء كان معه . وعندما نزل الوحي لأول مرة على الرسول (ص) وتغير العالم في نظره ، كان علي يسمع تلك الأصوات التي كان النبي (ص) يسمعها من عالم الغيب والملكوت ، إنه يقول :

" وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيطانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ عَلَيهِ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلهِ . فَقُلْتُ يَا رسَوُلَ اللهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانَ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبادَتِهِ . إنَّكَ تَسمَعُ مَا أسْمَعُ ، وَتَرى مَا أرى ، إلا إنَّك لَسَتَ بِنبيٍّ ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وإنّكَ لَعَلَى خَيُرٍ " نهج البلاغة ، الخطبة 190 .
وعليه ، فإن تصفية النفس والإخلاص والابتعاد عن أهواء النفس لا يقتصر أثرها على إضفاء الصفاء على القلب ، بل إن لها أثرا أعلى وأرفع من ذلك ، وهو إنها تفجر العلم والحكمة في داخل الإنسان .

هناك حديث آخر جاء فيه أن أصحاب الرسول (ص) قالوا : " يا رسول الله ، نخاف علينا النفاق " انظر كيف إن هؤلاء المؤمنين أحسوا في أنفسهم بدغدغة أثارت ريبتهم في أن يكونوا من المنافقين بغير أن يعلموا . فقال : ولم تخافون ذلك ؟ قالوا : إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا ، وَجِلْنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك . فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنا عليها عندك وحتى كأنا لم نكن على شيء . أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا ؟ فقال لهم رسول الله (ص) : كلا إن هذه خطوات الشيطان . فيرغبكم في الدنيا . والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء . ولولا إنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتى يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر لهم . إن المؤمن مفتن تواب . أما سمعت قول الله عزّ وجلّ : { إنَّ اللهَ يُحَبُّ التَّوابِين وُ يْحِبُّ المَتَطَهِّرينَ } وَقَالَ : { اسْتَغْفِروا رَبَّكُمْ ثُم توُبُوا إلَيهِ } الكافي - كتاب الإيمان والكفر - باب " في تنقل أحوال القلب " 



الأحد، 18 ديسمبر 2011

أصالة الرُّوح


 
في هذه المطالعة حول (أصالة الرُّوح) يقدّم العلَّامة الشّهيد مرتضى مطهرّي تعريفاً للنّفس وعلاقتها بالجسد. وفيها سنقرأ كيف عالجت الفلسفة الإسلاميّة هذه القضيّة وما لازمها من جدل طويل، وهو ما يزال سارياً في الفكر الفلسفي الحديث بجانبيه الإسلامي والغربي.



المعروف أنّ أرسطو وابن سينا قد توجَّها إلى إثبات الوحدة بين الرُّوح والبدن إلى حدٍّ ما، بينما نظريَّة أفلاطون كانت تبتني على أساس الإثنينيّة والإنفصال بينهما، وأرسطو قد بنى نظريَّته هذه على نظريَّته المعروفة: المادّة والصُّورة.

والآن نأتي إلى الفلاسفة الإسلاميِّين بعد إبن سينا، ونرى كيف صوّروا لنا المسألة.
لم يحقِّق الفلاسفة المسلمون في هذا المضمار أيّ تقدُّم يُذكَر، صحيح أنّهم حقَّقوا تقدُّماً هامّاً في أعمِّ وأهمِّ مسألة من مسائل الفلسفة الأولى -أعني مسائل الوجود- وكان لهذا التقدُّم أثر كبير على أكثر المسائل الفلسفيّة؛ ومن بينها مسألة الحركة والتّرابط، أو الإنفصال بين الرُّوح والبدن.


ولا بدَّ لنا من الإشارة إلى أنّ صدر المتألِّهين الشيرازي كان بطل التّحوُّل في هذه المسألة، أي مسألة الوجود، وعند تأسيسه لأصول جديدة عالية حصلت هذه النتيجة:


توجد إلى جانب الحركات الظاهريّة العرضيّة المحسوسة التي تحكم ظواهر الكون، حركة جوهريّة عميقة غير محسوسة تَحكم جوهر العالم، وهي أصل للحركات الظاهريّة، فإذا فرضنا أنّ هناك مادّة وصورة، فلا بدَّ من فرضهما عن طريق هذه الحركة. 


ولا بدَّ من القول بأنّ تكوُّن الأجسام المتنوِّعة إنّما هو نتيجة لهذه الحركة، لا أنّه نتيجة للكون والفساد، وإنّ الرُّوح نفسها هي نتاج لقانون هذه الحركة، وهذا القانون مبدأ لتكوُّن المادَّة نفسها، والمادَّة قادرة على أن تربِّي في حِجرها موجوداً يضاهي ما وراء الطّبيعة، ولا يوجد في الحقيقة ما يحول بين المادَّة وما وراء الطّبيعة، ولا مانع من أن تتحوَّل المادّة بعد اجتيازها لمراحل الرُّقيّ والتّكامل إلى موجود غير مادِّي.
ونظريّة أفلاطون حول مبدأ التّكوُّن للنّفس، ونوع العلاقة بينها وبين البدن غير صحيحة، وهكذا نظريّة أرسطو. ذلك لأنّ نوع العلاقة بين المادّة والحياة -الرُّوح والبدن- أكثر طبيعيّة وجوهريّة من هذه العلاقات المذكورة، إذ نوع العلاقة بينهما إنَّما هي كعلاقة درجة أقوى من الدَّرجة الأضعف لشيءٍ واحد.
جئنا بهذه المقدّمة لأنّ البحث حول إمكانيّة كَوْن الرُّوح من خواصّ المادّة عند تركيب أجزائها لا مفهوم له قبل أن نفهم نوع العلاقة بين الرُّوح والبدن. وهكذا، بعدما ألقينا الضَّوء على نوع العلاقة بين الرُّوح والبدن، تسنح لنا الفرصة كي نتساءل:


هل أنَّ الرُّوح نتيجة لتركيب عناصر المادَّة كسائر النّتائج والخواصّ التي تترتَّب على المادّة في حالتَيْ التّجزُّؤ والتَّركيب؟ أم أنّ المادّة عندما تكون مادّة لا تَتمتَّع بهذه الخواصّ؟ بل هذه الخواصّ إنّما تترتَّب على المادّة عندما تكون في ذاتها وجوهرها متكاملة، حيث تصل إلى مرحلة من الوجود غير المادِّي، والخواصّ الرُّوحيّة إنَّما تكون لهذه المرحلة من الوجود؟


لمّا وصل بنا البحث إلى هنا، لا نجد من الضّروري أن نحدِّد البحث في روح الإنسان والظَّواهر النفسيّة له، بل في إمكاننا أن نتوسَّع في البحث إلى سائر آثار الحياة على الإطلاق، فنقول:
إنَّ الفرق الذي يمكن أن يكون بين آثار الفكر وسائر آثار الحياة هو التَّجرُّد وعدمه، وهنا لسنا في صدد بيان هذا الفرق، فالذي يهمّنا الآن هو أنّ الروح ليست أثراً للمادَّة، بل هي الكمال الجوهري الذي تحصل عليه المادَّة، وهي في مرتبة من مراتبها التَّكامليّة. ففي مرتبتها الكماليّة هذه، تحتوي المادّة على آثار أكثر تنوُّعاً وتطوُّراً من الآثار التي تحتويها قبل بلوغها هذه المرتبة. وطريقة التَّكامل هذه ليست مخصوصة بِرُوح الإنسان أو الحيوان، بل إنّها تعمّ جميع أنواع الحياة.


ومهما كانت حقيقة الحياة سواءً كنّا نَقدر على فهم كُنْهِها أم لم نقدر، فمِن الواضح أنّ بعض الموجودات الحيّة من النَّباتات والحيوانات يتمتَّع بنوعٍ من الآثار والنَّشاطات التي لا تتمتَّع بها الموجودات غير الحيّة.
هذا البعض من الموجودات الحيّة يتمتَّع بخصوصيّات الحفاظ على الذَّات، ويَصُون نفسه من التأثّر بالبيئة، بمعنى أنَّ الموجودات الحيّة إذا وَجَدت نفسها في بيئة ما، فهي تستعدّ بقوَّتها الداخليّة للحفاظ على حياتها، ويستعدُّ جهازها الداخلي للمقاومة مع أيَّة قوَّة مُناوِئة داخل تلك البيئة، حتّى تستقرَّ لها الحياة.
من جانبٍ آخر، توجَد في هذه الموجودات الحيَّة قوَّة الإنسجام مع المحيط والبيئة، بينما الموجودات غير الحيَّة لا تتمتَّع بهذه القوة، وهذه الأخيرة إذا وُجِدت في بيئة ما وتوفَّرت الأسباب للقضاء عليها، فإنَّها تفقد المقاومة في الحفاظ على ذاتها. الموجود الحيّ يتمتَّع بالعادات والغرائز، فإذا تواجه مع مزاحم خارجي فإنَّه يتألَّم ويتعذَّب ويَنهار تجاه ذلك المزاحم، ويَفقد توازنه، ولكنَّه مع ذلك يَتعوَّد شيئاً فشيئاً ويكتسب المناعة في وجه الإعتداءات الخارجيّة، وهذا الأمر يتحقَّق نتيجة للنَّشاطات الداخليّة وانطلاقاً من غريزة الحفاظ على الذَّات، ومهما توفَّرت لديه الوسائل فإنَّه يكتسب هذه المناعة. فالنَّبات أو الحيوان بل إنَّ العضو الواحد داخل الجسم إذا واجه حالةً تريد القضاء على حياته وتوازنه، فإنَّه يقدر بصورة تدريجيّة على المقاومة، فَيَد الإنسان الليّنة لا تقدر على مقاومة الأجسام الخشنة مثلاً، ولكنّها تتعوّد تدريجياً على المقاومة؛ فالقوّة الداخلية تقوم بتغييرات في نسج الجلد كي يتوفَّر للجلد التَّمكُّن من المقاومة مع الأجسام الخشنة.


والموجود الحيّ يتمتَّع بخصوصيَّة التَّغذية، فهو يجذب المواد الخارجيّة بقوَّة داخليّة، ثمَّ يقوم بتجزئة وتركيب هذه المواد كي يستمدّ منها البقاء لذاته، بينما الموجود غير الحيّ لا يتمتَّع بهذه الخصوصيّة. ذلك أنَّ الموجود الحيّ أينما كان ينمو بالتدَّريج ويتجدّد ويتكامل ويكتسب القوَّة، حتّى يتأهَّل لتوليد القدرة على إبقاء نسله. فهو يموت ولكنَّه يبقى في أجياله.
فالحياة أينما وُجِدَت فإنَّها تتغلَّب على البيئة المحيطة بها، وتتغلَّب أيضاً على العناصر غير الحيّة من الطّبيعة، فهي تقوم بالتّغييرات في تراكيبها وتعطي لها وضعاً وتركيباً جديداً، فالحياة مصوِّر، ومصمِّم، ومهندس، ورسّام، تتمتّع بخاصِّيّة التّكامل والتّقدُّم.


هذه الخواصّ كلّها توجد في الموجود الحيّ، ولا توجد في الموجود الغير الحيّ، يقول (كرس موريسن): «إنّ المادّة لا تتمتَّع بأيّ نشاط، والحياة دائماً هي التي تطرح خططاً جديدة وبديعة في كلِّ آن. ومن هنا نعلم أنّ الحياة هي قوّة في نفسها وكمال في ذاتها، وهي فعليّةٌ مستقلَّة توجد في المادّة وتتمتَّع بآثار ونشاطات متنوَّعة غير التي توجد في المادة».
ذكرنا فيما سبق: أنّ علماء أوروبا قد حقَّقوا في علم الحياة تقدُّماً مدهشاً وقد مهَّدوا الأرضيّة للدِّراسات الفلسفيّة حول الرُّوح والبدن، وإن لم يكن هدفهم المنشود الوصول إلى هذه النّتيجة، وفي الحقيقة إنّهم درسوا الحياة والخواصّ الموجودة في الأحياء درساً وافياً وقيِّماً يوضِح أصالة الرُّوح.


صحيح أنَّه وجد من العلماء جماعة عرفوا حقيقة الموضوع، وأشاروا إلى أصالة الرُّوح، وصرَّحوا بأنّ الرُّوح قوّة منفصلة، وأنّ آثار الحياة معلولة لهذه القوَّة، لا أنّها معلولة لجمع المادّة وتركيبها وتفريق أجزائها وتأليفها، والذين لا يَرون أصالة الرُّوح أمثال (لامارك) الذي صرَّح «بأنّ طبيعة الحياة لا بُدَّ أن تُدرس ميكانيكيّاً»، عندما نطالع نظريّاتهم بدقَّة نرى أنّ الذي حملهم على إنكار حقيقة الرُّوح هو القول الشائع بينهم بالنّظريّة الإثنينيّة القائلة: بأنَّ الرُّوح والبدن شيئان متنافيان، وأنّ القوَّة الرُّوحيّة منفصلة عن القوَّة الماديّة، وكانوا يزعمون أنّ الرُّوح لو كانت أصيلة لما كانت متأثِّرة بالمحيط والبيئة، وكان مِن اللّازم عندئذٍ أن تكون الرُّوح في حالة واحدة في جميع البيئات والحالات، وكان من اللَّازم أيضاً أن لا تتأثَّر بالنّشاطات الفيزيائيّة والكيماويّة للبدن، والحال أنّ جميع المشاهدات العلميّة تشهد بخلاف ذلك.
يقول (لامارك): «ليست الحياة إلَّا عبارة عن كيفيّة التّفاعلات الفيزيائيّة، وأنّ مظاهر الحياة مُستمَدَّة مِن عِلَلٍ فيزيائيّة وكيماويّة، وأنّ منشأ الحياة يوجد في بدن الحيّ».


لقد كان لامارك يحسب أنّ الروح لو كانت أصيلة لما كانت لها علاقة مع العِلَل الفيزيائيّة والكيماويّة، وكان من اللّازم أن لا يوجد منشأ لها في المادّة الحيّة.


لقد ذكرنا سابقاً أنّ هذه هي النظرية الإثنينيّة لـ «ديكارت» -وهي ترجع في الأصل إلى أفلاطون- وقد كلّفت هذه النظرية الفلسفة ثمناً غالياً، فقد حملت العلماء على أن يفكّروا في انفصال الرّوح عن البدن ويجعلوهما طرفين مُتنافيَين عندما يتعرضون لأصالة الرّوح.


 

معنى التقوى وحقيقتها



لا بدّ لنا لمعرفة معنى التقوى وحقيقتها، من ذكر مقدمة، وهي:

لو أراد إنسان ما أن تكون له مبادئ وأهداف في الحياة، وأن يسير وفق تلك المبادئ للوصول إلى أهدافه المنشودة، فلا بدّ له من أن يختط لنفسه مساراً معيناً لا يحيد عنه مهما نازعته أهواؤه ومصالحه ونزواته إلى ذلك، وبالتالي يكون عليه أن يحافظ على نفسه من الأمور التي تتفق مع أهوائه ونزواته، وتتنافى مع الأصول والأهداف التي اتخذها لنفسه.

ومن هنا نعرف أنّ التقوى بمعناها العام لازمة لحياة
كلّ فرد يريد أن يكون إنساناً، وأن يحيا تحت حكم العقل، وأن يتبع قواعدَ وأصولاً معينة.




وأما التقوى الدينية فهي أن يحافظ الإنسان على نفسه، ويصونها عن ارتكاب كلّ ما يراه الدين خطأً وإثماً وفساداً وقبحاً، وهذه التقوى يمكن أن تتصّور بصورتين:

الأولى: وهي أن يهرب الإنسان من مجتمعه ومحيطه الفاسد الملي‏ء بالآثام والمعاصي، وبهذا الهروب يمكنه الحفاظ على نفسه من ارتكاب المعاصي والآثام والأوزار، كمن يتجنب البقاء في محيط موبوء بالملاريا فيهرب إلى مكان نقي لا مرض فيه.

الثانية: وهي أن يبقى المرء في مثل ذلك المجتمع الفاسد، على أن يوجد في نفسه قوّة وملكة تورثه مناعة روحية وأخلاقية تجعله لا يتأثر بهذه الآثام، ولا يقترب منها، مهما كانت المغريات كبيرة، ومهما كانت جاذبيتها شديدة، كمن يتناول لقاحاً ضدّ الملاريا ويبقى بين المرضى فإنّه لا يتأثر بالمرض أبداً.

 

مراتب المؤمنين ولذة الدعاء



المؤمنون على مراتب:
أ- المؤمن الذي يعتقد بوجود الله سبحانه، ويعرفه معرفة كاملة، لكنّه لا يمتلك حسّ رؤية ألطاف الله وعناياته التي يفيضها في حياته الخاصّة واليوميّة، وهذه المرحلة تسمّى بمرحلة "علم اليقين".

ب- المؤمن الذي فضلاً عن معرفته واعتقاده، فإنّه يشاهد أثر توحيده وتوكّله واعتماده على الله دون غيره، حيث يستشعر استجابة دعائه ويجد أثر التوكل والاعتماد على الله في حياته الخاصّة، وهذا المؤمن يكون في مرحلة "عين اليقين".

ج- المؤمن الذي يرى نفسه في ارتباط مباشر مع الله، بل لا يرى نفسه شيئاً يذكر، وهذا العبد يكون قد وصل إلى مرحلة "حق اليقين".

وهذا المؤمن هو الذي يعيش حقيقة الدعاء ولذّة الإنقطاع إلى الله، فإنّه يمارس فنّاً في العبودية والإيمان





أسمى من فنون الطبّ والهندسة والرسم، ويعيش لذّة تفوق لذّة رؤية مريضه الذي شُفي، أو بنائه الذي شمخ، أو لوحته التي تزهر ؛ فأثر الدعاء لمن يتقنه لط الهيّ يغمر الإنسان، عزّة تهز الشعور، تسامٍ روحيّ يستغرق الذات كلّها، وما يتقن الدعاء إلا ذلك المؤمن الذي صار من أهل القلب النيّر السليم، ومن الذين لم تمتلكهم وتغرّهم هذه الأسباب الظاهرية، فصاروا على ارتباط مباشر مع الله يعتمدون ويتوكّلون عليه.

نسأل الله أن يوفقنا إلى أن ندعوه ونناجيه بتلك الحالة المعنوية السامية.