الأحد، 18 ديسمبر 2011

أصالة الرُّوح


 
في هذه المطالعة حول (أصالة الرُّوح) يقدّم العلَّامة الشّهيد مرتضى مطهرّي تعريفاً للنّفس وعلاقتها بالجسد. وفيها سنقرأ كيف عالجت الفلسفة الإسلاميّة هذه القضيّة وما لازمها من جدل طويل، وهو ما يزال سارياً في الفكر الفلسفي الحديث بجانبيه الإسلامي والغربي.



المعروف أنّ أرسطو وابن سينا قد توجَّها إلى إثبات الوحدة بين الرُّوح والبدن إلى حدٍّ ما، بينما نظريَّة أفلاطون كانت تبتني على أساس الإثنينيّة والإنفصال بينهما، وأرسطو قد بنى نظريَّته هذه على نظريَّته المعروفة: المادّة والصُّورة.

والآن نأتي إلى الفلاسفة الإسلاميِّين بعد إبن سينا، ونرى كيف صوّروا لنا المسألة.
لم يحقِّق الفلاسفة المسلمون في هذا المضمار أيّ تقدُّم يُذكَر، صحيح أنّهم حقَّقوا تقدُّماً هامّاً في أعمِّ وأهمِّ مسألة من مسائل الفلسفة الأولى -أعني مسائل الوجود- وكان لهذا التقدُّم أثر كبير على أكثر المسائل الفلسفيّة؛ ومن بينها مسألة الحركة والتّرابط، أو الإنفصال بين الرُّوح والبدن.


ولا بدَّ لنا من الإشارة إلى أنّ صدر المتألِّهين الشيرازي كان بطل التّحوُّل في هذه المسألة، أي مسألة الوجود، وعند تأسيسه لأصول جديدة عالية حصلت هذه النتيجة:


توجد إلى جانب الحركات الظاهريّة العرضيّة المحسوسة التي تحكم ظواهر الكون، حركة جوهريّة عميقة غير محسوسة تَحكم جوهر العالم، وهي أصل للحركات الظاهريّة، فإذا فرضنا أنّ هناك مادّة وصورة، فلا بدَّ من فرضهما عن طريق هذه الحركة. 


ولا بدَّ من القول بأنّ تكوُّن الأجسام المتنوِّعة إنّما هو نتيجة لهذه الحركة، لا أنّه نتيجة للكون والفساد، وإنّ الرُّوح نفسها هي نتاج لقانون هذه الحركة، وهذا القانون مبدأ لتكوُّن المادَّة نفسها، والمادَّة قادرة على أن تربِّي في حِجرها موجوداً يضاهي ما وراء الطّبيعة، ولا يوجد في الحقيقة ما يحول بين المادَّة وما وراء الطّبيعة، ولا مانع من أن تتحوَّل المادّة بعد اجتيازها لمراحل الرُّقيّ والتّكامل إلى موجود غير مادِّي.
ونظريّة أفلاطون حول مبدأ التّكوُّن للنّفس، ونوع العلاقة بينها وبين البدن غير صحيحة، وهكذا نظريّة أرسطو. ذلك لأنّ نوع العلاقة بين المادّة والحياة -الرُّوح والبدن- أكثر طبيعيّة وجوهريّة من هذه العلاقات المذكورة، إذ نوع العلاقة بينهما إنَّما هي كعلاقة درجة أقوى من الدَّرجة الأضعف لشيءٍ واحد.
جئنا بهذه المقدّمة لأنّ البحث حول إمكانيّة كَوْن الرُّوح من خواصّ المادّة عند تركيب أجزائها لا مفهوم له قبل أن نفهم نوع العلاقة بين الرُّوح والبدن. وهكذا، بعدما ألقينا الضَّوء على نوع العلاقة بين الرُّوح والبدن، تسنح لنا الفرصة كي نتساءل:


هل أنَّ الرُّوح نتيجة لتركيب عناصر المادَّة كسائر النّتائج والخواصّ التي تترتَّب على المادّة في حالتَيْ التّجزُّؤ والتَّركيب؟ أم أنّ المادّة عندما تكون مادّة لا تَتمتَّع بهذه الخواصّ؟ بل هذه الخواصّ إنّما تترتَّب على المادّة عندما تكون في ذاتها وجوهرها متكاملة، حيث تصل إلى مرحلة من الوجود غير المادِّي، والخواصّ الرُّوحيّة إنَّما تكون لهذه المرحلة من الوجود؟


لمّا وصل بنا البحث إلى هنا، لا نجد من الضّروري أن نحدِّد البحث في روح الإنسان والظَّواهر النفسيّة له، بل في إمكاننا أن نتوسَّع في البحث إلى سائر آثار الحياة على الإطلاق، فنقول:
إنَّ الفرق الذي يمكن أن يكون بين آثار الفكر وسائر آثار الحياة هو التَّجرُّد وعدمه، وهنا لسنا في صدد بيان هذا الفرق، فالذي يهمّنا الآن هو أنّ الروح ليست أثراً للمادَّة، بل هي الكمال الجوهري الذي تحصل عليه المادَّة، وهي في مرتبة من مراتبها التَّكامليّة. ففي مرتبتها الكماليّة هذه، تحتوي المادّة على آثار أكثر تنوُّعاً وتطوُّراً من الآثار التي تحتويها قبل بلوغها هذه المرتبة. وطريقة التَّكامل هذه ليست مخصوصة بِرُوح الإنسان أو الحيوان، بل إنّها تعمّ جميع أنواع الحياة.


ومهما كانت حقيقة الحياة سواءً كنّا نَقدر على فهم كُنْهِها أم لم نقدر، فمِن الواضح أنّ بعض الموجودات الحيّة من النَّباتات والحيوانات يتمتَّع بنوعٍ من الآثار والنَّشاطات التي لا تتمتَّع بها الموجودات غير الحيّة.
هذا البعض من الموجودات الحيّة يتمتَّع بخصوصيّات الحفاظ على الذَّات، ويَصُون نفسه من التأثّر بالبيئة، بمعنى أنَّ الموجودات الحيّة إذا وَجَدت نفسها في بيئة ما، فهي تستعدّ بقوَّتها الداخليّة للحفاظ على حياتها، ويستعدُّ جهازها الداخلي للمقاومة مع أيَّة قوَّة مُناوِئة داخل تلك البيئة، حتّى تستقرَّ لها الحياة.
من جانبٍ آخر، توجَد في هذه الموجودات الحيَّة قوَّة الإنسجام مع المحيط والبيئة، بينما الموجودات غير الحيَّة لا تتمتَّع بهذه القوة، وهذه الأخيرة إذا وُجِدت في بيئة ما وتوفَّرت الأسباب للقضاء عليها، فإنَّها تفقد المقاومة في الحفاظ على ذاتها. الموجود الحيّ يتمتَّع بالعادات والغرائز، فإذا تواجه مع مزاحم خارجي فإنَّه يتألَّم ويتعذَّب ويَنهار تجاه ذلك المزاحم، ويَفقد توازنه، ولكنَّه مع ذلك يَتعوَّد شيئاً فشيئاً ويكتسب المناعة في وجه الإعتداءات الخارجيّة، وهذا الأمر يتحقَّق نتيجة للنَّشاطات الداخليّة وانطلاقاً من غريزة الحفاظ على الذَّات، ومهما توفَّرت لديه الوسائل فإنَّه يكتسب هذه المناعة. فالنَّبات أو الحيوان بل إنَّ العضو الواحد داخل الجسم إذا واجه حالةً تريد القضاء على حياته وتوازنه، فإنَّه يقدر بصورة تدريجيّة على المقاومة، فَيَد الإنسان الليّنة لا تقدر على مقاومة الأجسام الخشنة مثلاً، ولكنّها تتعوّد تدريجياً على المقاومة؛ فالقوّة الداخلية تقوم بتغييرات في نسج الجلد كي يتوفَّر للجلد التَّمكُّن من المقاومة مع الأجسام الخشنة.


والموجود الحيّ يتمتَّع بخصوصيَّة التَّغذية، فهو يجذب المواد الخارجيّة بقوَّة داخليّة، ثمَّ يقوم بتجزئة وتركيب هذه المواد كي يستمدّ منها البقاء لذاته، بينما الموجود غير الحيّ لا يتمتَّع بهذه الخصوصيّة. ذلك أنَّ الموجود الحيّ أينما كان ينمو بالتدَّريج ويتجدّد ويتكامل ويكتسب القوَّة، حتّى يتأهَّل لتوليد القدرة على إبقاء نسله. فهو يموت ولكنَّه يبقى في أجياله.
فالحياة أينما وُجِدَت فإنَّها تتغلَّب على البيئة المحيطة بها، وتتغلَّب أيضاً على العناصر غير الحيّة من الطّبيعة، فهي تقوم بالتّغييرات في تراكيبها وتعطي لها وضعاً وتركيباً جديداً، فالحياة مصوِّر، ومصمِّم، ومهندس، ورسّام، تتمتّع بخاصِّيّة التّكامل والتّقدُّم.


هذه الخواصّ كلّها توجد في الموجود الحيّ، ولا توجد في الموجود الغير الحيّ، يقول (كرس موريسن): «إنّ المادّة لا تتمتَّع بأيّ نشاط، والحياة دائماً هي التي تطرح خططاً جديدة وبديعة في كلِّ آن. ومن هنا نعلم أنّ الحياة هي قوّة في نفسها وكمال في ذاتها، وهي فعليّةٌ مستقلَّة توجد في المادّة وتتمتَّع بآثار ونشاطات متنوَّعة غير التي توجد في المادة».
ذكرنا فيما سبق: أنّ علماء أوروبا قد حقَّقوا في علم الحياة تقدُّماً مدهشاً وقد مهَّدوا الأرضيّة للدِّراسات الفلسفيّة حول الرُّوح والبدن، وإن لم يكن هدفهم المنشود الوصول إلى هذه النّتيجة، وفي الحقيقة إنّهم درسوا الحياة والخواصّ الموجودة في الأحياء درساً وافياً وقيِّماً يوضِح أصالة الرُّوح.


صحيح أنَّه وجد من العلماء جماعة عرفوا حقيقة الموضوع، وأشاروا إلى أصالة الرُّوح، وصرَّحوا بأنّ الرُّوح قوّة منفصلة، وأنّ آثار الحياة معلولة لهذه القوَّة، لا أنّها معلولة لجمع المادّة وتركيبها وتفريق أجزائها وتأليفها، والذين لا يَرون أصالة الرُّوح أمثال (لامارك) الذي صرَّح «بأنّ طبيعة الحياة لا بُدَّ أن تُدرس ميكانيكيّاً»، عندما نطالع نظريّاتهم بدقَّة نرى أنّ الذي حملهم على إنكار حقيقة الرُّوح هو القول الشائع بينهم بالنّظريّة الإثنينيّة القائلة: بأنَّ الرُّوح والبدن شيئان متنافيان، وأنّ القوَّة الرُّوحيّة منفصلة عن القوَّة الماديّة، وكانوا يزعمون أنّ الرُّوح لو كانت أصيلة لما كانت متأثِّرة بالمحيط والبيئة، وكان مِن اللّازم عندئذٍ أن تكون الرُّوح في حالة واحدة في جميع البيئات والحالات، وكان من اللَّازم أيضاً أن لا تتأثَّر بالنّشاطات الفيزيائيّة والكيماويّة للبدن، والحال أنّ جميع المشاهدات العلميّة تشهد بخلاف ذلك.
يقول (لامارك): «ليست الحياة إلَّا عبارة عن كيفيّة التّفاعلات الفيزيائيّة، وأنّ مظاهر الحياة مُستمَدَّة مِن عِلَلٍ فيزيائيّة وكيماويّة، وأنّ منشأ الحياة يوجد في بدن الحيّ».


لقد كان لامارك يحسب أنّ الروح لو كانت أصيلة لما كانت لها علاقة مع العِلَل الفيزيائيّة والكيماويّة، وكان من اللّازم أن لا يوجد منشأ لها في المادّة الحيّة.


لقد ذكرنا سابقاً أنّ هذه هي النظرية الإثنينيّة لـ «ديكارت» -وهي ترجع في الأصل إلى أفلاطون- وقد كلّفت هذه النظرية الفلسفة ثمناً غالياً، فقد حملت العلماء على أن يفكّروا في انفصال الرّوح عن البدن ويجعلوهما طرفين مُتنافيَين عندما يتعرضون لأصالة الرّوح.


 

معنى التقوى وحقيقتها



لا بدّ لنا لمعرفة معنى التقوى وحقيقتها، من ذكر مقدمة، وهي:

لو أراد إنسان ما أن تكون له مبادئ وأهداف في الحياة، وأن يسير وفق تلك المبادئ للوصول إلى أهدافه المنشودة، فلا بدّ له من أن يختط لنفسه مساراً معيناً لا يحيد عنه مهما نازعته أهواؤه ومصالحه ونزواته إلى ذلك، وبالتالي يكون عليه أن يحافظ على نفسه من الأمور التي تتفق مع أهوائه ونزواته، وتتنافى مع الأصول والأهداف التي اتخذها لنفسه.

ومن هنا نعرف أنّ التقوى بمعناها العام لازمة لحياة
كلّ فرد يريد أن يكون إنساناً، وأن يحيا تحت حكم العقل، وأن يتبع قواعدَ وأصولاً معينة.




وأما التقوى الدينية فهي أن يحافظ الإنسان على نفسه، ويصونها عن ارتكاب كلّ ما يراه الدين خطأً وإثماً وفساداً وقبحاً، وهذه التقوى يمكن أن تتصّور بصورتين:

الأولى: وهي أن يهرب الإنسان من مجتمعه ومحيطه الفاسد الملي‏ء بالآثام والمعاصي، وبهذا الهروب يمكنه الحفاظ على نفسه من ارتكاب المعاصي والآثام والأوزار، كمن يتجنب البقاء في محيط موبوء بالملاريا فيهرب إلى مكان نقي لا مرض فيه.

الثانية: وهي أن يبقى المرء في مثل ذلك المجتمع الفاسد، على أن يوجد في نفسه قوّة وملكة تورثه مناعة روحية وأخلاقية تجعله لا يتأثر بهذه الآثام، ولا يقترب منها، مهما كانت المغريات كبيرة، ومهما كانت جاذبيتها شديدة، كمن يتناول لقاحاً ضدّ الملاريا ويبقى بين المرضى فإنّه لا يتأثر بالمرض أبداً.

 

مراتب المؤمنين ولذة الدعاء



المؤمنون على مراتب:
أ- المؤمن الذي يعتقد بوجود الله سبحانه، ويعرفه معرفة كاملة، لكنّه لا يمتلك حسّ رؤية ألطاف الله وعناياته التي يفيضها في حياته الخاصّة واليوميّة، وهذه المرحلة تسمّى بمرحلة "علم اليقين".

ب- المؤمن الذي فضلاً عن معرفته واعتقاده، فإنّه يشاهد أثر توحيده وتوكّله واعتماده على الله دون غيره، حيث يستشعر استجابة دعائه ويجد أثر التوكل والاعتماد على الله في حياته الخاصّة، وهذا المؤمن يكون في مرحلة "عين اليقين".

ج- المؤمن الذي يرى نفسه في ارتباط مباشر مع الله، بل لا يرى نفسه شيئاً يذكر، وهذا العبد يكون قد وصل إلى مرحلة "حق اليقين".

وهذا المؤمن هو الذي يعيش حقيقة الدعاء ولذّة الإنقطاع إلى الله، فإنّه يمارس فنّاً في العبودية والإيمان





أسمى من فنون الطبّ والهندسة والرسم، ويعيش لذّة تفوق لذّة رؤية مريضه الذي شُفي، أو بنائه الذي شمخ، أو لوحته التي تزهر ؛ فأثر الدعاء لمن يتقنه لط الهيّ يغمر الإنسان، عزّة تهز الشعور، تسامٍ روحيّ يستغرق الذات كلّها، وما يتقن الدعاء إلا ذلك المؤمن الذي صار من أهل القلب النيّر السليم، ومن الذين لم تمتلكهم وتغرّهم هذه الأسباب الظاهرية، فصاروا على ارتباط مباشر مع الله يعتمدون ويتوكّلون عليه.

نسأل الله أن يوفقنا إلى أن ندعوه ونناجيه بتلك الحالة المعنوية السامية.


الثلاثاء، 13 ديسمبر 2011

كلمات شهيد عن الشهيد


الانسان الكامل -1- الشهيد مطهري



في اللغة العربية كلمتان متقاربتان في المعنى ، ولكنهما ليستا بمعنى واحد ، وثمة كلمة أخرى هي ضد تينك الكلمتين ، وهي كلمة واحدة لا أكثر ، تستعمل مرة ضده هذه الكلمة ، وتستعمل مرة ضد الأخرى . أما في الفارسية فليس عندنا مرادف لتينك الكلمتين . إنما لدينا كلمة واحدة للمعنيين . واللفظتان العربيتان هما : الكمال ، والتمام . فمرة يقال : كامل ، ومرة يقال : تام ، وضدهما الناقص . هذا كامل وذاك ناقص . وهذا تام وذاك ناقص . وقد وردت كلتا الكلمتين في إحدى الآيات القرآنية :

{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } سورة المائدة ، الآية 3 .
ولم يقل : أتممت لكم دينكم . يقولون : لو كان قد قال : أتممت لكم دينكم ، لما صح ذلك لغويا . فما الفرق بين هذين ؟ إنَّنا إذا لم نشرح الفرق بينهما ، ولا يتهيأ لنا أنْ نبدأ بحثنا ، إذ أنَّ بحثنا يبدأ بمعرفة معنى هاتين اللفظتين .

تطلق لفظة "التمام" على الدرجات التي يتطلبها وجود جميع الأشياء اللازمة لوجود شيء ما أي إذا لم يوجد بعضها ، فيكون الشيء في ماهيته ناقصا . فهو لم يوجد كله ، بل وجد بعضه . فهذا شيء قابل للزيادة والنقصان ، فيمكن أن يقال نصفه موجود ، أو ثلثه موجود ، أو ثلثاه موجودان . كالعمارة التي يجب أن تبني على وفق خريطة معينة ، كالمساجد مثلا . فلكي يكون المسجد مسجدا يلزمه أن تكون فيه قاعة ، والقاعة يلزمها الجدران والسقف والمدخل . فهو يحتاج إلى أشياء كثيرة أخرى عند البناء فإذا وجدت جميع الأشياء التي يستلزمها بناء المسجد ، بحيث أنَّ عدم وجودها يجعل المسجد غير قابل للاستفادة ، وعندئذ يقال : البناء تام . ويقابله : البناء ناقص .

أما الكمال فهو درجات يمكن أنْ يصل إليها الشيء بعد أنْ اصبح تاما ، درجة بعد درجة . إذا لم يكن هذا الكمال ، فالشيء موجود بتمامه ، ولكن إذا أضيف إليه الكمال ، ارتفع درجة واحدة . يعتبرون الكمال خطا عموديا ، والتمام خطا أفقيا . أي أن الشيء عندما يبلغ نهايته أفقيا يقال انه قد تم ، وعندما يتحرك عموديا ، يكون متجها نحو الكمال . يقال أن فلانا قد كمل عقله ، فهو كان عاقلا قبل ذاك ولكن عقله قد ارتفع الآن درجة . أو يقال علم فلان قد اكتمل ، فهو كان له علم ، وكان يستفيد من علمه ولكنه الآن ارتقى درجة أخرى من درجات الكمال . إنَّ الإنسان الكامل معناه وجود إنسان تام في قبال إنسان لم يزل أفقيا غير تام ، لم يزل نصف إنسان ، كسر إنسان ، ربع إنسان ، ثلث إنسان ، ليس إنسانا تاما . والإنسان يكون تاما ، ويكون قابلا لكي يكون كاملا ، ويكون أكمل ، وأكمل ، إلى ذلك الحد النهائي ، ذلك النهائي الذي لا يكون فوقه إنسان . ذلك هو الإنسان الكامل ، وهو الذي بلغ ارفع حدود الإنسانية .
إنَّ تعبير " الإنسان الكامل " لم يكن له وجود في الآداب الإسلامية حتى القرن السابع الهجري ولكنه اليوم مستعمل حتى في أوروبا . وأول من استعمل هذا التعبير في عالم الإسلام بشأن الإنسان وطرح موضوعا باسم الإنسان الكامل ، هو العارف المغروف ( محي الدين العربي الأندلسي الطائي ) . ومحي الدين هذا هو أبو العرفان والتصرف الإسلامي . أي أنَّ جميع هؤلاء المتصوفة والعرفانيين الذين نعرفهم في جميع الملل الإسلامية ، بما فيهم الفرس والإيرانيين الذين ظهر ذوو الشأن فيهم من القرن السابع فما فوق وفي أوائل القرن السابع ، هم جميعا من تلامذة مدرسة محي الدين . مولوي نفسه أحد تلامذة مدرسة محي الدين . إنَّ مولوي على عظمته لا يعد شيئا مذكورا بازاء محي الدين في مسائل العرفان والتصوف . ومحي الدين العربي يتصل نسبة إلى حاتم الطائي ، ظهر في الأندلس ، ولكنه رحل إلى كثير من الأقطار العربية والإسلامية ، وتوفي في الشام ، وقبره ما يزال هناك أحد تلامذته يدعى صدر الدين غونوي ، برز بعد أستاذه .

وكان من اشهر رجال العرفان . أما التصوف الإسلامي الذي بدأ كعلم غامض جداً ، فهو من عمل محي الدين ، وعليه شروح صدر الدين غونوي . وكان مولوي معاصرا لصدر الدين الذي كان إمام جماعة في أحد المساجد ، فكان مولوي يقتدي يه في الصلاة ، فانتقلت أفكار محي الدين إلى مولوي عن طريق صدر الدين ز أما ما تسمعونه بخلاف هذا حول هذا الموضوع فلا صحة له . إن للتصرف الإسلامي جذورا غير هذه الترهات التي أخذ ينشرها بعضهم هذه الأيام في الصحف والمجلات .


من المسائل التي طرحها هذا الرجل هي مسألة الإنسان الكامل ، ولكنه ، بالطبع ، طرحها من حيث المنظور العرفاني . إلا أنَّه استعمل لفظة الإنسان الكامل وشرحها من وجهة النظر العرفانية الخاصة . إلا أن الآخرين أيضا فسروا الإنسان الكامل بحسب وجهات نظرهم . وهذا الذي نريد أن نشرحه من حيث وجهة نظر القرآن ، لكي نعرف كيف ينظر القرآن إلى الإنسان الكامل . وهذا يقتضينا ، بالضرورة ، أنْ نبدأ بالكلام على الإنسان التام والإنسان الناقص ، لأننا ما لم نطو هذه المرحلة لا يمكن أن نصل إلى تلك المرحلة .


هنالك إنسان سالم وإنسان معيوب ، وهي سلامة وعيب يرتبطان بجسم الإنسان ، فمما لا شك فيه أن هناك إنسان سالم جسميا ، وآخر معيوب جسميا . إلا أن هذا يخص الإنسان . أي أنَّ الإنسان إذا كان أعمى ، أو أخرس ، أو أشل ، أو قصيرا ، فإنك لا تعتبر أيا من ذلك نقصا في فضيلة الرجل ولا في إنسانيته وشخصيته ، فسقراط ، الفيلسوف اليوناني المعروف ، الذي يعتبره بعضهم من الأنبياء ، كان من اقبح الناس وجها ، إلا أنَّ أحد لا يعتبر ذلك عيباً في سقراط . أو أن أبا العراء النعري الفيلسوف كان أعمى ، وطه حسين من المعاصرين كان أعمى أيضاً . فهل هذا العمى نقص في شخصيتهما وعيب فيهما ؟ كلا ، ليس الأمر كذلك . وهذا نفسه دليل على أن في الإنسان شيئين . له شخصيتان : جسمية وروحية . له جسم ونفس . وحساب النفس غير حساب الجسم . وإنَّ القول بأنَّ نفس الإنسان تابعة للجسم ، إنَّما هنا يظهر أنَّه خطأ مائة بالمائة . خذ مثلا : هل يمكن أن تكون نفس مسألة قائمة بذاتها . 

إنَّ الذين ينكرون الروح مباشرة وبغير وساطة ، ناشئة من الجهاز العصبي ، ولا يرون للنفس وجودا أصلا ، ويقولون إنَّ كل شيء تابع للجسم ، فإذا كانت نفسية المرء مريضة فجسمه هو المريض حتما وهو السبب فالمرض النفسي هو المرض الجسمي .

ولكن من حسن الحظ أنه قد القي مؤخرا ضوء  أكثر على أنَّ الإنسان يمكن أنْ يكون جسميا سليما . فمن حيث دمه ، وعدد كرياته البيض والحمر ، ومن حيث جهازه العصبي ، وكمية الفيتامينات فيه ، يكون الجسم سليماً طبياً ، ولا يكون في أعصابه أي مرض ، ومع ذلك يكون نفسيا مريضا كأن تكون فيه ، كما يقال اليوم ، عقدة نفسية . يقول العلم المعاصر إنَّ من به عقدة نفسية فهو مريض ، أي أنَّ هناك اختلالا في جهازه النفسي ، بغير أنْ يصاحبه أي خلل جسمي ، ولهذا السبب فإن علاج هذا الاختلال النفسي لا يكون دواءا ماديا . فمثلا إذا كان أحد مصابا بعقدة التكبر - وهي قد ثبت أنَّها مرض واختلال نفسي وروحي فهل يمكن العثور على دوائه في الصيدليات ، وانه إذا تناول ذلك الدواء يتغير تكبره إلى تواضع ؟ أو هل يمكن تحويل إنسان قاسي القلب سفاح ، بالأقراص والحقن ، إلى إنسان رحيم عطوف ؟ بل إنَّ الافتقار إلى ذلك يوجد الأمراض في الإنسان . 

إنَّ الذي يحس بالحقد على شخص آخر ، يتمنى لو انتقم منه ، ولا يقر له قرار حتى يورده موارد الهلاك .
فما هي هذه الرغبة في الانتقام في الإنسان ؟ هذا أمر قائم بذاته . إنَّ الحسود عندما يرى النعمة في الآخرين يتمنى بكل جوارحه أن تزول تلك النعمة عنهم ، بغير أنْ يريدها لنفسه . 

أما الإنسان السليم فإنه يغبط الآخرين ، ولا يحسدهم . إنه يفكر في نفسه ويسعى لكي يسبق الآخرين . إذا فكر الإنسان أن يكون دائما متقدما ، فإنه يكون سليما ، إذ أن ذلك لا يكون عيبا فيه . أما الذي لا يفتأ يدعو أن يتأخر فلان ، فإنّه مريض . وقد تشاهدون أحيانا إنسانا حسودا يصل به الأمر إلى حيث أنه يرتقي لنفسه أنْ يصاب بمئة مصيبة إذا أصيب الذي يحسد بخمسين .

 هناك قصة تاريخية معروفة في كتب التاريخ . يقولون : في عهد أحد الخلفاء كان هناك رجل ثري اشترى غلاماً ، ولكنه منذ البداية لم يعامله كما يعامل الغلمان ،  بل أخذ يعامله معاملة السادة ، فيقدم له ألذّ الأطعمة ، ويلبسه أغلى الملابس ، ويهيئ له افضل وسائل الراحة ، وكأنه ابنه ، بل وبأفضل من معاملته لابنه ، بما في ذلك منحه مبالغ كبيرة من المال ، إلا أن الغلام كان يرى أن سيده دائم التفكير كثير القلق ، حتى إنه قرر أخيرا أنْ يعتقه ويهبه رأسمالاً كبيرا . وفي ليلة جلس يشكو للغلام ما ينتابه من هم وغم . قال له : إنَّني على استعداد لعتقك ، و لإعطائك كذا مقدار من المال ، ولكن أتدري لم قمت لك بكل هذه الخدمات ؟ فقال : لا . فقال : لطلب واحدا أريدك أنْ تنفذه ، وإذا نفذته فحلال عليك كل الذي أعطيته لك ، وإذا لم تنفذه فلن ارض عنك . وإذا وعدت بتنفيذه فسوف أعطيك أكثر . فقال الغلام : عليك الأمر وعلي الطاعة ، فأنت ولي نعمتي ، ووهبتني الحياة . فقال : كلا . عليك أنْ تعدني وعداً قاطعاً ، لأني أخشى إذا كشفت لك الأمر أنْ ترفض . فقال : أبدا ، قل ما بدا لك . وإذا وثق الرجل لكلام الغلام ، قال له : إنني سوف آمرك في مكان معين وفي ظرف خاص أنْ تخزَّ رقبتي من الوريد إلى الوريد . فقال الغلام : ما معنى هذا ؟ فقال : هذا هو طلبي . فقال لا يكون شيء كهذا . فقال : بل يكون ، لأنك قد وعدتني ، ولا بد أنْ تفي بوعدك . وعند منتصف إحدى الليالي أيقظ الغلام وناوله سكينا حادة ، وتقدم على أطراف أصابعه صاعدا إلى سطح دار جاره ، وناول الغلام كيسا من المال ، ونام على السطح وقال له : الآن اقطع رأسي واذهب إلى حال سبيلك . فسأله الغلام : لماذا ؟ فقال : لأني لا أتحمل رؤية هذا الجار ، فالموت أحب إليّ من الحياة مع هذا الإنسان الذي يتقدمني في كل شيء ، وكل ما عنده خير مما عندي . كنا نتنافس فسبقني . إنَّني احترق في النار . أريد أنْ اتهمه بجريمة قتل تلقي به في السجن . فإذا حصل هذا فسوف ارتاح . هذا كل شيء . فإذا قتلت هنا في دار منافسي ، فغدا عندما يسألون : من الذي قتله ؟ سوف يقال منافسه هو الذي قتله ، خاصة وأنّه وجد على سطح داره . فيقبضون عليه ويسجنونه ، ثم يعدمونه فتتحقق أمنيتي . فقال الغلام : مادمت على هذه الدرجة من الحماقة ، فلماذا لا أفعل انك تستحق القتل فعلا . وقتله ، واخذ كيس المال وانصرف .

وانتشر الخبر ، وقبض على المنافس والقي في السجن ثم خطر لهم إنه إذا كان هذا هو القاتل حقا لما قتله على سطح داره . وتعقدت القضية ولم يعرفوا لها حلا . أما الغلام فراح ضميره يؤنبه حتى حمله على التسليم للحكومة وكشف لهم عن حقيقة الحادث ، وقال : إنني قتلته بناء على طلبه ورغبته ، لأنه كان يشتعل في نار حسده اشتعالاً فضّل معه الموت على الحياة . فصدقوه ، و أطلقوا سراحه وسراح منافس القتيل .
تلك هي حقيقة ، وهي مرض فعلا ، فالمرء يصاب بمرض الحسد . ولقد جاء في القرآن :
{قَدْ افْلَحَ مَنْ زكّاهَا وَقَد خَابَ مْنْ دَسّاهَا } سورة الشمس ، الآية 9 و 10 .
وعليه ، فإن أول خطوة في منهج القرآن هي تزكية النفس ، وتهذيبها ، وتطهيرها من الأمراض والعقد ومن الظلام ، ومن القلق ، ومن الانحراف ، بل ومن المسخ ، وهي مسألة مهمة جدا . فما معنى المسخ ؟ لعلك قد سمعت أن في الأمم القديمة كان أناس قد ارتكبوا الكثير من الإثم ، فدعا عليهم نبيهم فمسخوا ، أي تحولوا إلى حيوان ، إلى قرد ، أو ذئب ، أو دب ، أو أي حيوان آخر . هذا يقال له المسخ . فلننظر ، هل حقا مسخ الإنسان وتحول إلى حيوان .


هنا ينبغي أنْ نقول أنه حتى إذا فرضنا أن الإنسان لا يمسخ جسميا إلى حيوان ، ولكن الذي لا شك فيه هو أنَّ الإنسان يمكن أنْ يمسخ روحياً ونفسياً ويتغير إلى حيوان ، بل قد يتحول إلى نوع من الحيوان ليس في العالم أحط منه وأقذر . { بِلْ هُمْ أضَلُّ } سورة الأعراف ، الآية 179. كما يكون هذا ؟ أيصح أنْ يتحول الإنسان روحياً إلى حيوان ؟ نعم ، لأن شخصية الإنسان كإنسان تتجلى في خصائصه الأخلاقية والنفسية متسمة بالخصائص الإنسانية في الخلق والنفسية ، بل اتسمت بخصائص حيوان مفترس ، أو بهيمة ، واخلاقيته فهذا هو المسخ . وهذه هي الحقيقة ، فإنها روحه التي مسخت . أن الخنزير الذي نراه فيه تناسب بين روحه وجسمه . فقد تكون جميع خصاله الإنسان أشبه بخصال الخنزير ، فهذا يكون قد انسلخ من الإنسانية ، واصبح في المعنى وفي الباطن وفي عين الحقيقة وفي الملكوت خنزيراً حقاً ولا شيء غير ذلك .


وعليه ، فإن الإنسان المعيوب قد يصل إلى أنْ يصبح إنساناً مسخاً . هذه أمور قلما نسمع عنها وقد يحسبها بعضهم من الأمورالمجازية فلا يصدقونها ، ولكن تلك هي الحقيقة . قال رجل كنا مع الإمام السجاد (ع) ذاهبين إلى مكة . في صحراء عرفات نظرنا فإذا بالحجيج يعدون بالآلاف ، وقال الرجل أنه رأى الناس ، من مكانه المرتفع ، وكأنها أمواج تموج ، فالتفت إلى الإمام قائلاً : ما أكثر الحجيج فقال الإمام : "مَا أَكْثَرَ الضَّجِيِجَ وأَقَلَّ الحِجيجَ " سفينة البحار ، ج2، ص71 . إثبات الهداة ج5 ، ص39  . ويقول الرجل : لا أدري ما فعله بي الإمام والنظرة التي اوحاها الي ، والعين التي فتحها لي ، إنما قال لي : الآن انظر . فنظرت وإذا بالصحراء مليئة بحيوانات من مختلف الأنواع كحديقة الحيوانات ، وبينهم بعض الأشخاص يتحركون . وقال الإمام : ها أنت ترى باطن القضية . هذا أمر واضح وضوح النهار عند أهل المعنويات وأهل الباطن ، وأما إذا لم يشأ العقل المتجدد قبول ذلك فهو على خطأ ، ففي زماننا هذا يوجد أناس يستطيعون أنْ يدركوا الإنسان على حقيقته ، وأنْ يروا أن الإنسان شبه بذي الأربع ، الذي لايفهم شيئا سوى الأكل والنوم والجنس ، ولا يمكن أن تختلف روحه عن أرواح ذوات الربع ، وإن باطنه قد مسخ ، أي أنَّ الحقائق الإنسانية وإنسانيته قد سلبت منه كليا ، واستبدل بها ، بيده ، الصفات الحيوانية . نقرأ في سورة " عمَّ " : 

{ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا } سورة عم يتساءلون ، الآيات 18 و 19 و 20 .

ويكرر القادة من رجال الدين أنَّ فوجاً واحداً فقط من الناس يحشرون على هيئة إنسان ، وإما الأفواج الأخرى فهي على هيئات الحيوانات ، فبعض بهيئة النمل ، وبعض بهيئة القرود ، وبعض بهيئة العقارب وبعض بهيئة الأفاعي ، وبعض بهيئة النمور . لماذا ؟ هل يمكن أن تحوّل هيئات الناس إلى حيوانات بغير سبب ظ كلا . إنَما هذا يعنى أن من كان في الدنيا على غرار العقرب ، لا هم له سوى اللسع ، ولا يلذ له إلا إيذاء الناس ، يحشر على صورته الحقيقية . والذي كان عمله في الدنيا لا يتعدى ما يفعله القرود لا شك يحشر يوم القيامة على هيئة القرود ، لأنه قرد بصفاته . والذي كان كالكلب ، يحشر على هيئة الكلاب ، وذلك لأنه " يحشر الناس على نياتهم " . فما في الناس من نوايا وخصال وصفات وأهداف وأمنيات حقيقية هي التي يحشرون بها يوم القيامة . فما انت في هذه الدنيا ؟ وما الذي تريد أن تكونه وما الذي تريده ؟ هل طلباتك طلبات إنسان ؟ أم إنها طلبات حيوان مفترس ، أو طلبات طائر ؟ مهما تكن طلباتك تكن مثل صاحبها الذي تحشر على شاكلته . ولذلك فإننا منهيون عن كل العبادات عدا عبادة الله . فما نعبده نكون مثله . فإذا كنا نعبد المال أصبح المال جزءا من ماهيتنا ومن وجودنا ، وهذا المال يوم القيامة هو ذلك المعدن الذائب الذي يقول عنه القرآن :
{ والّذين يكنزون الذَّهَبَ والفِضَّة ولا ينفقونها في سبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أليم . يومَ يحمى عَلَيْهَا في نار جهنم فتكوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ هذا ما كنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ } سورة التوبة الآيتان 34و35 .

فهذه هي التي تحمى وتكون ناره . لا تقولوا أن النقد المعدني قد زال وحلت محله العملة الورقية . كلا . لكل شيء في الآخرة ماهيته الخاصة به ، فالعملة تظهر في الآخرة على هيأة نار ناشئة من الأصفر والأبيض والتي يشتد اكتواء الإنسان بها . فهذه هي ما تسخ الإنسان وعليه فالإنسان المعقد إنسان معيوب . إنَّ الإنسان الذي يعبد مادة ما يكون إنسانا معيوبا مسخا إنِّ الكمال في كل مخلوق يختلف عنه في المخلوق الآخر ، فالإنسان الكامل ، مثلا ، غير الملك الكامل . فإذا كان الملك في ملائكيته يمكن أنْ يصل إلى الحد الأعلى من حدود كماله ، فإنه يختلف عن الإنسان وهو في عالم إنسانيته ، عندما يصل إلى الحد الأعلى من الكمال الإنساني ، وذلك لأن الذين ، علمونا بوجود الملائكة قالوا لنا أن الملائكة مخلوقون من العقل المحض ، الفكر المحض ، أي إنهم ليس فيهم أي جاني أرضي ، مادي ، شهواني ، غضبي ، وأمثال ذلك .
وهكذا الحيوانات ، فالحيوانات أرضيين صرفا مجردين مما يدعوه القرآن بالروح الإلهية . إنما الإنسان هو الكائن المركب من العناصر الملائكية والعناصر الأرضية . إنه كائن ملكوني وفلكي . إنه كائن علوي وسفلي ، وهذا هو نص الحديث الوارد في "الكافي" :
" إنَّ الله تعَالَى خَلَقَ المَلائِكَةَ وَرَكَّبَ فِيهمْ العَقْل ، وخَلَقَ البَهَائِمَ وَرَكَّبَ فِيها الشَّهْوَة ، وخَلَقَ بني آدَمَ وَرَكَّبَ فيهمْ الْعَقْلَ والشَّهوَةَ . فَمْنْ غَلَبَ عَقْلُهُ عَلَى شهْوَتِهِ فَهُوَ أَعْلى مِنَ الملاَئِكَةِ ، ومَنْ غَلَبَ شَهْوتهُ عَلى عَقلِهِ فَهُوُ مِنْ البهَائِمِ " اصول الكافي - تفسير الصافي - علل الشرايع . وقد وردت هذه الرواية عند أهل السنة بألفاظ مقاربة .

ثم يقول إنَّ جمعا قد خلقوا من النور المطلق ، وجمعا من الغضب والشهوة ويقصد بهم الحيوانات أما الإنسان فقد خلقه الله مركبا . فالإنسان الكامل الذي يختلف عن الحيوان الكامل ، عن الحصان الأصيل الكامل ، كذلك يختلف عن الملك الكامل . إنَّ اختلاف الإنسان عن أولئك متأتٍ من اختلاف تركيب ذاته :
{إنَّا خَلَقْنا الإنْسَانَ مَنْ نُطُفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ } سورة الدهر ، الآية 2 .

أي أنَّ الله خلق الإنسان من نطفة حفظ فيها الكثير من القابليات أو الاستعدادات أو " الجينات " بالمصطلح المعاصر ، وإنها قد بلغت مرحلة وضعها الله خلالها موضع الاختيار ، أي إنها قد بلغت حدا من الكمال بحيث أنّه خلقه حراً له حرية الاختيار ، جديرا بتحمل مسؤولية التكاليف ، ووضعه في معرض الابتلاء والامتحان والحصول على الدرجات . ولأن نطفته امشاج ، مزيج من التسبيحات والتفاعلات المختلفة ، فقد عرّض للامتحان وللتقدير وللثواب وللعقاب ، أما الكائنات الأخرى فليست لها تلك الجدارة .

{فَجَعلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً . إنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إما شَاكَراً وإمّا كَفُوراً } . سورة الإنسان ، الآية 2و3 .

لا يمكن التعبير عن حرية الإنسان في الاختيار ، وأصل حريته في الاختيار ومبناه بأفضل وأجمل من هذا التعبير : لقد اختبرناه ، وجعلناه يسمع ويبصر ويدرك ، وأريناه الطريق ، وله بعد ذلك بملء اختياره أنْ يسير فيه أوْ لا يسير . { إنّا هَديْناهُ السَّبيلَ إمّا شاكَراً وإمّا كَفُوراً } عندئذ ، هذا الإنسان الكامل ، الإنسان الذي يقول القرآن { خَلَقْناهُ مِنْ نُطفَةٍ أمْشاَجٍ } يختلف انسانه الكامل ، لهذا السبب عن الملك الكامل ، فكمال الإنسان يكمن في تعادله وتوازنه ، أي أنه بالنظر لوجود كل هذه الاستعدادات والقابليات المختلفة فيه ، ينبغي ألا يتمسك بواحدة منها فقط ويهمل سائر قابلياته ويعطلها عن العمل فالإنسان الكامل هو الذي يعني بها جميعا ويربيها وينميها معا في حالة متعادلة ومتوازنة ، إذ إن العلماء يقولون إن حقيقة العدل ترجع إلى التوازن والتجانس . والتجانس هنا يعني أنَّه في الوقت الذي تنمو فيه جميع قابليات الإنسان ، يكون هذا النمو بصورة متجانسة .

والآن اضرب لكم مثلا بسيطا . فالطفل ينمو ويكبر ، وللطفل يد ورجل ورأس وفي رأسه عينان وأنف وفم وأسنان وله أحشاء وأمعاء . فهذه كلها في الطفل السليم تنمو وتكبر في انسجام وتجانس . والآن فلنتصور حالة كاريكاتورية ، كما في الصور ، إن شخصا لا ينمو منه إلا عضو واحد ، انفه مثلاً هو الذي يكبر دون سائر الأعضاء  بحيث يصبح انفه بحجم جسمه أو أن عينيه فقط يكبران ، أو رأسه فقط ويبقى جسمه صفيرا  ، أو تنمو يداه ولا تنمو رجلاه ، أو تنمو قدماه ولا تنمو يداه ، فهذا نمو غير متجانس . الإنسان الكامل هو الذي تنمو جميع قيمة الإنسانية معا بإنسجام وتناسب ، ولا تختلف واحدة عن أخرى في النضج والنمو حتى تبلغ أعلى مستوياتها ، عندئذ يكون هذا إنساناً كاملاً ، ويصبح ذلك الإنسان الذي يصفه القرآن بأنه الإمام :
{ وإذْ ابتلى إبْراهِيمَ رَبُّه بِكَلِماتٍ فأتَّمَهُنَّ قَالَ إنّي جاعلُكّ لِلْنَاسِ إمَامَاً قَال ومنْ ذُرِّيَّتي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ } سورة البقرة ، الآية 124 .

فإبراهيم بعد أن اجتاز اختبارات ربه العظيمة المتنوعة وأتمها ، ونجح في كل تلك الامتحانات بدرجات عالية ، وهي لم تكن امتحاناً واحداً ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة ، بل كانت امتحانات عظيمة كان واحدا منها أن يعد العدة لذبح ابنه بيده في سبيل الله .

هذا هو التسليم ، بعد أنْ عرف أن الذي يأمره بذلك هو الله ، فاستعد لتنفيذ الأمر بغير اعتراض . وعندما حان الحين ، وبعد أن تهيأ إسماعيل نفسه للذبح ، يأتيه نداء ربه :
[ ونَادَيْناهُ أنْ إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } سورة الصافات . الآية 104 .

نعم ، إنَّ الأمر قد انتهي ، وإنَّ ما كنا نريده منك هو هذا التسليم لأمرنا والرضا بقضائنا إلى هذا الحد . فبعد أن اجتاز إبراهيم كل تلك الاختبارات ، من الالتقاء في النار حتى اخذ ابنه للذبح وخرج منها فائزا بمفرده ، ويتضح :
{ إنَّ إبْراهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للهِ حَنِيفَاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِيْنَ } سورة النحل ، الآية 120 .
إنَّه ينافح قوما بمفرده ، فيقول له الله { إنّي جَاعُلكَ لَلنَاسِ إمَامَاً } فقد بلغت مرحلة تكون فيها قدوة إماماً ، رائداً ، نموذجاً للآخرين الذين يريدون أن يبلغوا كمالهم أنْ يتخذوك مثلا ويحذون حذوك .

الأحد، 11 ديسمبر 2011

الشهيد - الشهيد مطهري


مكانة الشهيد:

القرآن الكريم يقول عن الشهيد:
"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون"
(آل عمران 169)
فالشهداء -إذن- "أحياء" و"عند ربهم " يرزقون ... وما أعظمها من منزله!!
والسنة تكثر من تشبيه المكانة السامية التي يمكن أن ينالها إنسان في حياته بمكانة الشهيد ..
لأنها ذروة الرقي والتكامل في المسيرة الإنسانية ..
فالسائرون على طريق طلب العلم، من أجل التعرف على الحقيقة، وطلبا لمرضاة الله تعالى، لا بهدف الترفع والاتجار، هم شهداء في

مفهوم الروايات الإسلاميه إن توفّاهم الله على هذا الطريق.
وهذا التشبيه يدل على علو مكانة طالب العلم إضافة لما له من دلالة على أن الشهادة هي الذروة في مسيرة الإنسان التكاملية .
ونظير هذا التشبيه ورد بشأن الساعي على طريق إدارة دفة اقتصاد عائلته، وبالتالي على طريق إدارة اقتصاد مجتمعه .. في الحديث:
"الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله" ..

حق الشهيد

كل أولئك الذين خدموا البشرية بشكل من الأشكال لهم حق على بني الإنسان، سواء أسدوا خدماتهم عن طريق العلم أم الفكر أم الفلسفة و الاختراع  والاكتشاف أم الأخلاق والحكمة العملية ...
لكن أحدا من هؤلاء ليس له على البشرية حق كما الشهيد ...
ومن هنا فان ما يكنه أبناء البشر من تعاطف وانشداد تجاه الشهداء يفوق ما يكنوه تجاه سائر
خدمة البشرية.
ولماذا هذا التفوق ؟
الدليل واضح .. كل المجموعات التي أسدت خدمات إلى البشرية مدينة للشهداء .. لكن الشهداء قلما كانوا مدينين لهذه المجموعات.
العالم في علمه .. والفيلسوف في فلسفته .. والمخترع في اختراعه .. ومعلم الأخلاق في تعاليمه، محتاجون إلى أجواء حرة مساعدة كي يقدموا خدماتهم ..

والشهيد بتضحياته يوفر هذه الأجواء ..
الشهيد كالشمعة التي تحترق وتفنى لتضئ الطريق للآخرين ..
الشهداء شموع البشرية على طريقها اللاحب الطويل ..
ولولا هذه الشموع لما استطاعت المسيرة البشرية أن تواصل طريقها، ولما استطاع أبناء البشر في ظلمات الاستعباد والاستبداد أن يمارسوا نشاطاتهم ويقدموا خدماتهم الإنسانية.
والله سبحانه يخاطب نبيه الكريم قائلا:
"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا "
(الأحزاب 44-45)
و(السراج المنير) مفهوم يدل على الإضاءة، وينطوي على معنى الاحتراق وإزالة دياجير الظلام .


جسد الشهيد

أحكام الإسلام تقوم كلها على أساس الحكمة والمصلحة، وجميعها
لها دلالاتها الخاصة، وخاصة دلالاتها الإجتماعية.
ومن هذه الأحكام ما يتعلق بالميت من غسل وتكفين وصلاة ودفن . وكلها ذات معان خاصة لسنا بصدد الحديث عنها ..
إلاّ أن أحكام الميت هذه، لها استثناء .. وهذا الإستثناء يختص بجسد الشهيد .
فأحكام الميت لا تطبق على جسد الشهيد سوى الصلاة والدفن .
أما الغسل والتكفين .. فلا .
الشهيد يدفن بدمه وملابسه ..
وهذا الإستثناء له مغزاه العميق، انه يرمز إلى أن روح الشهيد بلغت درجة
من السمو والطهارة بحيث ترك هذا السمو والطهر آثاره على

جسد الشهيد وعلى دمه، بل وحتى على ما يرتديه من لباس .
بدن الشهيد "جسد متروح " إن صح التعبير، أي أضحى
وجودا تجري عليه أحكام الروح ..
ولباسه أضحى .. "لباسا متجسدا" أي تجري عليه أحكام
الجسد الذي يضم تلك الروح الطاهرة .
فجسد الشهيد ولباسه اكتسبا الشرف من طهر روحه وعلو فكره وسمو تضحيته ..
وتلك دلالة أخرى على قداسة الشهيد في المفهوم الإسلامي ..


الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

وجهان لواقعة كربلاء - الشهيد مطهري



ان واقعة عاشوراء و معركة كربلاء لها وجهان، وجه أبيض و نوراني و الآخر مظلم و أسود قاتم السواد و كلتا الصفحتين اما لا نظير لهما أو نادرتان جدا. أما الصفحة السوداء و المظلمة فانها كذلك لأنها عبارة عن جريمة نادرة أو لا نظير لها أبدا.


لقد فكرت مرة بدرجة و حجم الجريمة المرتكبة في عاشوراء فرأيت أن واحدا و عشرين نوعا من أنواع الرذالة و اللؤم قد ارتكب كحد أدنى في هذه الواقعة و لا أعتقد أن هناك واقعة أخرى في الدنيا يمكن لها أن توازي مثل هذه الواقعة في حجم تنوعها. بالطبع يوجد هناك في تاريخنا الحروب الصليبية التي لم يترك فيها الأوروبيون مجالا للتعجب عندما ينظر الى سواها من حوادث التاريخ الاجرامي. و اذا كنت قد ترددت في الادعاء بعدم وجود شبيه لحادثة كربلاء من ناحية حجم الجريمة فالسبب انما يعود لحجم الجريمة التي ارتكبها الغربيون في المعارك الصليبية و كذلك الجرائم التي ارتكبها هؤلاء الاوروبيون أنفسهم في الأندلس الاسلامية و هي عجيبة للغاية. و في هذا المجال أدعوكم للرجوع الى كتاب "تاريخ الأندلس" للمرحوم آيتي المطبوع من قبل جامعة طهران وهو كتاب تحقيقي نفيس.


يقول المؤلف في هذا الكتاب:
" ان الاوروبيين كانوا قد سمحوا لمائة ألف من الرجال و النساء و الأطفال أن يخرجوا من منازلهم و يتوجهوا حيث يشاؤون و لكنهم ما أن تحركوا بشكل جماعي حتى نقض الأوروبيون العهد و ربما كانت الخطة خدعة مدبرة من الأساس للايقاع بهم. على اي حال فانه ما ان تحركت الجموع حتى صدرت الأوامر بارتكاب المجزرة و قطع رؤوس الجميع بعد تقتيلهم شر قتلة."
ان الشرق لن يصل في حجم جرائمه الى الغرب. انك لو طالعت تاريخ الشرق كله بما فيه التاريخ الأموي فانك سوف لن تعثر على هذين النوعين من الجرائم و هي حرق البشر و هم أحياء و الثانية ممارسة القتل الجماعي للنساء لكنك ترى مثل هذا النوع من الجرائم في تاريخ الغرب يتكرر باستمرار. ان قتل النساء امر شائع في تاريخ الغرب. لا تصدقوا ان الغربيين يملكون روحا انسانية في داخلهم. ان ما جرى في فيتنام يشكل امتدادا لروح الحروب الصليبية و معارك الأندلس. ان قتل مئات الألوف من الناس و هم أحياء خلال رميهم في أفران الغاز حتى و ان كانوا مجرمين امر لا يفعله الانسان الشرقي، و لا يمكن لمثل هذه الجريمة أن تحصل على يد الشرقيين. ان هذا العمل لا يحصل الا على يد غربيي القرن العشرين فقط.


ان جريمة ترك عشرات الألوف من الأسرى يموتون في صحراء سيناء من الجوع و العطش خوفا من تبعات أسرهم عمل لا يصدر الا عن الغرب و الغربيين. ان الشرقي لا يرتكب مثل هذه الجريمة. ان اليهودي الفلسطيني أشرف من اليهودي الغربي. على كل حال فانني لا أستطيع القول بأن جريمة مثل جريمة كربلاء  لم تقع و لن يقع مثلها في العالم لكنني أستطيع القول بأنها لا مثيل لها في العالم الشرقي.
من هذه الزاوية يمكننا القول بأن واقعة كربلاء تمثل مأساة كاملة، و مصيبة عظمى، و ملحمة رثائية. و عندما نتفحص في هذا الوجه منها ترى قتل الأبرياء و الشباب و الأطفال الرضع، و سحق جثث الموتى بحوافر الخيل، و منع المياه عن الانسان، و معاقبة النساء و الأطفال بجريمة آبائهم و أزواجهم، و تعذيب الأسرى من خلال اجبارهم على ركوب الجمال و هي عارية من سروجها...الخ فمن هو بطل الواقعة من وجهو النظر هذه؟


انه لأمر واضح هنا بأن البطل من هذه الزاوية الجنائية ليس ذلك الذي يتحمل الضربات فهو لا شك المظلوم في هذا الجانب. ان بطل الواقعة من هذه الزاوية هو يزيد بن معاوية و عبيد الله بن زياد و عمر بن سعد و شمر بن ذي الجوشن و خولى و آخرون، و لذلك فاننا عندما نطالع الصفحة السوداء من هذا التاريخ سنرى صورة الجريمة و الرثاء فقط لعالم البشرية. فلو أردنا قول الشعر هنا ماذا علينا أن نقول؟ علينا أن نقرأ المنظومات الرثائية و لا نجد شيئا نقوله سوى الرثاء.
و لكن هل أن تاريخ عاشوراء هو هذه الصفحة فقط؟


هل ان عاشوراء عبارة عن رثاء فقط؟ هل هي مصيبة و ليست شيء آخر؟


ان خطأنا هنا بالذات، حيث هذه الواقعة لها صفحة أخرى بطلها هذه المرة ليس ابن معاوية و ليس ابن زياد و ليس ابن سعد و لا الشمر. بطلها هنا هو الحسين عليه السلام. و في هذه الصفحة ليس للجريمة مكان و لا مكان للمأساة أيضا، انها صفحة الحماس و الملاحم و الفخر و النورانية و تجلي الحقيقة و الانسانية و تقديس الحق، و عندما نقرأ هذه الصفحة نستطيع القول بأن من حق البشرية أن تطير من الفرح. لكننا عندما نطالع تلك الصفحة المظلمة نرى أن البشرية قد نكست رأسها خجلة مفضوحة و هي ترى نفسها مصداق الآية الشريفة: "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ".